«أريد موتا يسمعه العالم».. أمنية صحفية فلسطينية قبل أيام من استشهادها
«أريد موتا يسمعه العالم».. أمنية صحفية فلسطينية قبل أيام من استشهادها
«إذا مت، أريد موتاً صاخباً، لا أريد أن أكون مجرد خبر عاجل، أو رقم ضمن مجموعة، أريد موتاً يسمعه العالم، تأثيراً يبقى عبر الزمن، وصورة خالدة لا يمكن للزمان أو المكان دفنها»، كلمات كتبتها المصورة الصحفية الفلسطينية فاطمة حسونة، على حسابها بمواقع التواصل الاجتماعى، قبل أيام من استشهادها، إضافة إلى 10 من أفراد أسرتها، فى غارة جوية شنتها طائرات الاحتلال الإسرائيلى على منزل الأسرة شمال قطاع غزة، وبالفعل تحققت أمنية الصحفية الشابة، من خلال إدراج فيلم وثائقى، يرصد معاناة أهالى غزة، ضمن مهرجان «كان» السينمائى الدولى بفرنسا.
ووفق تقرير نشرته صحيفة «الجارديان»، فقد أدركت فاطمة حسونة أن الموت كان يقف دائماً على عتبة بابها، فعلى مدار ما يقرب من 18 شهراً من الحرب على قطاع غزة، استطاعت المصورة الشابة أن توثق بعدستها آثار الدمار التى خلَّفتها آلة القتل والدمار الإسرائيلية، والتى طالت منزل أسرتها أكثر من مرة، كغيره من آلاف البيوت، التى اضطر سكانها إلى العيش مشردين ونازحين من منطقة إلى أخرى، مما دفع الفتاة الفلسطينية لتعلن بكل شجاعة أن كل ما تتمناه هو «ألا ترحل بهدوء».
استشهدت «فاطمة»، البالغة من العمر 25 عاماً، قبل أيام من زفافها، نتيجة قصف إسرائيلى استهدف منزلاً انتقلت إليه الأسرة مؤخراً فى شمال غزة، وبرر الجيش الإسرائيلى قصف المنزل بالقول إن الغارة كانت «استهدافاً مباشراً لأحد أعضاء حركة حماس»، ممن يتهمهم الاحتلال بتنفيذ هجمات ضد جنود ومدنيين إسرائيليين، إلا أن الصحيفة البريطانية ذكرت أن القصف أسفر عن استشهاد المصورة الشابة، و10 آخرين من أفراد أسرتها، من ضمنهم شقيقتها التى كانت حاملاً وعلى وشك أن تضع مولودها.
وقبل 24 ساعة من استشهادها، تم الإعلان عن مشاركة فيلم وثائقى يتناول حياة الصحفية فاطمة حسونة فى غزة، منذ بدء الهجوم الإسرائيلى، فى مهرجان مستقل للأفلام الوثائقية، ضمن مهرجان «كان» السينمائى الدولى، ويروى الفيلم، الذى يحمل عنوان «ضع روحك على كفّك وامشِى»، من إخراج الإيرانية سبيدة فارسى، المعاناة اليومية للفلسطينيين فى قطاع غزة، من خلال محادثات مصورة بين الفتاة الفلسطينية والمخرجة الإيرانية، التى قالت: «لقد أصبحت فاطمة عينى فى غزة، فتاة مفعمة بالحياة، صورت ضحكاتها ودموعها وآمالها واكتئابها».
أضافت «فارسى»، المقيمة بفرنسا، فى تصريحات، أوردتها الصحيفة البريطانية: «كانت فاطمة ضوءاً متوهجاً، موهوبة بشكل لا يُصدق، عندما تشاهدون الفيلم ستفهمون، تحدثتُ معها قبل ساعات فقط، لأبلغها أن الفيلم سيُعرض فى مهرجان كان، وأدعُوها للمجىء إلى فرنسا»، وتابعت بقولها: «كنت أعيش فى خوف دائم على حياتها، لكننى قلت لنفسى إننى لا أملك الحق فى أن أخاف عليها، طالما أنها لم تكن خائفة، كنت فخورة بقوتها وبإيمانها الذى لا يتزعزع»، إلا أن المخرجة الإيرانية أعربت عن خشيتها أن تكون «فاطمة» قد استُهدفت بسبب عملها الصحفى، الذى حظى بمتابعة واسعة، ومشاركتها المعلنة مؤخراً فى الفيلم الوثائقى. وأصدرت اللجنة المنظمة لمسابقة الأفلام الوثائقية، ضمن مهرجان «كان»، بياناً نعت فيه استشهاد الصحفية الفلسطينية فاطمة حسونة، جاء فيه: «لقد شاهدنا فيلماً يجسد هذه الشابة وكأنها كتلة من الحياة، ابتسامتها كانت ساحرة، مثلما كانت صلابتها، كانت تصور وتوثق الأحداث فى غزة، كما كانت تشارك فى توزيع الطعام، رغم القصف والقنابل، كنا ننتظر ظهورها فى كل مرة لنتأكد أنها لا تزال على قيد الحياة»، كما نعى عدد من الصحفيين والمثقفين الفلسطينيين المصورة الراحلة، التى وصفوها بأنها كانت «عين غزة»، التى وثقت مجازر الاحتلال بعدستها، والتقطت آلام الناس وصرخاتهم فى صورها.
وبحسب تقديرات دولية، فإن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة تُعد الأكثر دموية للصحفيين فى التاريخ الحديث، حيث تم تسجيل استشهاد أكثر من 170 صحفياً منذ السابع من أكتوبر عام 2023، بينما ترفع بعض التقديرات عدد الضحايا من الصحفيين إلى 206 شهداء، فى حين تبلغ حصيلة الضحايا من الفلسطينيين أكثر من 51 ألف شهيد، أكثر من نصفهم من النساء والأطفال، بحسب وزارة الصحة فى غزة، ومنذ انهيار اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار، فى مارس الماضى، استأنف جيش الاحتلال الغارات الجوية على غزة، كما فرض حصاراً شاملاً على القطاع الفلسطينى، ومنع دخول أى مواد غذائية أو أدوية أو شحنات وقود، أو أى مساعدات إغاثية إلى أهالى غزة.