أحمد رفعت يكتب: السيسي.. بين أثينا وموسكو!
أحمد رفعت يكتب: السيسي.. بين أثينا وموسكو!
بين تنشيط التعاون مع دول حوض البحر المتوسط وبين استعادة مكانة الصديق القديم.. تعمل حركة السياسة الخارجية المصرية الفترة الأخيرة، وربما الجملة السابقة تنطبق تماماً على علاقاتنا مع اليونان وروسيا، وقد بلغت حداً غير مسبوق على الأقل فى النصف قرن الأخير!
مع اليونان.. الصديق القديم الوفى الذى استقر من أبنائه الكثير فى الإسكندرية حباً فيها أو هرباً من ظروف أوروبية قاسية.. وبينهما عاش اليونانيون بين المصريين.. مواطنون وتجار ومبدعون.. شعراء ومطربون، حتى كان الاختبار الحقيقى عندما وقف المرشدون اليونانيون إلى جانب مصر فى تأميم قناة السويس ولم ينسحبوا!! ثم يشيد الرئيس السيسى بالموقف الثانى وهو الدعم اليونانى فى 30 يونيو، وهو ما لا يمكن نسيانه أبداً! واليوم تسترد العلاقات مكانتها لتصل إلى 1.6 مليار دولار «تبادل تجارى» أكثر من نصفها صادرات مصرية.. المصريون هناك يحولون إلى مصر ما يصل إلى 15 مليون دولار سنوياً من جالية تتفاوت الإحصائيات عنها، لكنها تقع بين 29 ألفاً و40 ألف مصرى، وجالية يونانية تقل عن أربعة آلاف أغلبهم بالإسكندرية.. تعاون بالمتوسط وترسيم حدود وتنسيق فى السياسة الخارجية على أعلى مستوى.. تبادل زيارات لا يتوقف وعلى أعلى مستوى أيضاً.. يجعل وجهة نظر البلدين فى معظم القضايا قريبة إلى حدود كبيرة جداً، خاصة فى الصراع العربى الإسرائيلى.. وضرورة إقامة دولة فلسطينية.. ثم ما فى العلاقات من مناورات عسكرية تشارك فيها اليونان مع مصر، من «النجم الساطع» إلى «ميدوزا».. وكذلك شركاء فى برامج حماية سواحل البحر المتوسط، وأخيراً وليس آخراً التعاون فى مشروع ضخم لنقل الكهرباء من مصر إلى أوروبا.. وبعيداً عن التفاصيل الفنية المعقدة ومراحل نقل أى خط كهرباء، لكن المشروع سيغير من بنية وشكل التعاون فى المنطقة، ويؤكد على المستهدَف المصرى الدائم من اعتبارنا «مركزاً إقليمياً للطاقة»، فضلاً عن عوائد المشروع الاقتصادية!
مع روسيا الحديث قد يطول جداً.. لكننا -باختصار- مع البلد الذى بنى معنا السد العالى، وبسلاحه انتصرنا فى أكتوبر، ومع مهندسيه بنينا قلاعاً صناعية كبرى بطول مصر وعرضها ساهمت كثيراً فى النهضة الصناعية المصرية فى الستينات.. هذا هو البلد الذى هدد جاداً باستخدام السلاح النووى لوقف العدوان الثلاثى على مصر عام 1956! واليوم الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى هناك ليشهد ويشارك فى احتفالات جيش هذا البلد بيوم النصر.
لا يذهب الرئيس معتمداً على رصيد سابق من العلاقات الجيدة اهتزت وتراجعت لفترات طويلة، بل بعد تطوير هائل جداً أعادها إلى مكانها الطبيعى ومسارها الذى ينبغى ألا تراوحه أبداً.. فكما هناك خط على عرض نهر النيل يشهد بعمق وقوة العلاقات المصرية الروسية، هناك خط آخر على مساحة عريضة على البحر المتوسط ينشط ليل نهار لإنجاز عمل ضخم جداً هو محطة الضبعة النووية!! المحطة التى هى أربع مفاعلات على أحدث تكنولوجيا نووية فى العالم إنتاجاً وأماناً.. وكل يوم يعلو بنيانها عن سابقه!
مع روسيا نؤسس لقاعدة صناعية جديدة فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس على مساحة كبيرة وهائلة ستعيد مجد التعاون فى الصناعات الثقيلة!
مع روسيا نُجرى مناورات «حماة الصداقة» ومناورات «جسر الصداقة»، فضلاً عن التعاون العسكرى الكبير.. والذى يستحق حديثاً مستقلاً عنه لحجمه الكبير، لكن اختصاراً لدينا عدد من أفضل الأسلحة الروسية.. قوات جوية ودفاع جوى وبحرية!
أما التنسيق السياسى فعلى أعلى مستوى.. ربما تحكى السنوات المقبلة عن تعاون كبير جرى فى مناطق مشتعلة عديدة أرادت مصر منها أمان بلادنا العربية الشقيقة ومصالح شعوبها، فعند التاريخ كلام كثير جداً لم يُروَ بعد!