عمار علي حسن يكتب: كاميرا تشرق من القدس

كتب: أحمد فكري

عمار علي حسن يكتب: كاميرا تشرق من القدس

عمار علي حسن يكتب: كاميرا تشرق من القدس

هذا عنوان كتاب للكاتب والناقد الأردنى الأستاذ سليم النجار عن حياة المصور الفلسطينى الموهوب «هانى فخرى جوهرية»، الذى أطلق عليه رفاقه فى النضال «مسيح الثورة الفلسطينية»، واستشهد عام 1976 أثناء جريان الحرب الأهلية اللبنانية.

فى تقديمه للكتاب يقول محمد محمود البشتاوى: «منذ البدء كانت الصورة محملة بأوجه عديدة للصراع فى فلسطين، إذ إنها الوسيلة الأكثر تأثيراً وقدرة على الحشد والتعبئة، إنها وثيقة غير قابلة للتزوير»، وبالطبع فإن هذا كلام دقيق، فالصورة بقدر ما كانت وسيلة للدعاية الصهيونية قبل قيام إسرائيل عام 1948 وبعدها، صارت أيضاً أداة مقاومة ضد الاحتلال، لأنها «حققت نجاحاً فى توثيق علاقة الفلسطينى بأرضه وتاريخه».

من هذه النافذة دخل النجار إلى دنيا «جوهرية» فألف عنه كتابه هذا، الذى يحمل تصوره عن شاب موهوب غادر دنيانا وهو فى السابعة والثلاثين من عمره، ويجمع فيه أيضاً تصورات آخرين، تعرف قدر الراحل.

من جانبه يعتبر سليم النجار كاميرا جوهرية «أقوى من السلاح»، لأنها فى رأيه «استطاعت أن ترصد بعين الشهيد مأساة وطن وشعب يسعى الاحتلال إلى طمس آثاره»، ثم يتكئ فى البرهنة على رأى مصطفى أبوعلى الذى يقول: «الكاميرا بالنسبة لنا نحن السينمائيين الفلسطينيين هى كلاشينكوف سريعة الصور»، وكلاهما يعد «جوهرية» مرجعاً لا يمكن إغفاله، ورفداً مهماً لأرشيف الثورة الفلسطينية.

ويُمعن النجار فى مديح «جوهرية»، وهو محق فى هذا، فيصفه بأنه قد «شكل حالة إبداعية خلاقة للاشتباك والجدل المتفاعل مع المجتمع والتاريخ، فكان مصوراً مبدعاً، يعيش بين أفراد مجتمعه الفلسطينى فى قواعده العسكرية مع الفدائيين، وفى المخيمات، يسجل سيرة ذاتية للمعذبين والمقهورين خارج وطنهم، فكان بحق مسيح الثورة، كما أطلق عليه رفاقه فى النضال الفلسطينى».

من الكتاب نعرف أن «جوهرية» قد ولد فى القدس عام 1939، منحدراً من عائلة فنية، إذ إن أخاه رياض خطاط موهوب، وعمه واصف موسيقار ومؤرخ. كان هانى مولعاً منذ صباه بمتابعة الأفلام، ثم صقل تذوقه الفنى بالقراءة، وانشغل بالصور، فاقتنى كاميرا روسية عام 1956، والتقط صوراً كثيرة، وعلَّم نفسه كيف يختلى إلى غرفة مغلقة ليقوم بتحميضها، قبل أن تصبح صوره فيما بعد أغلفة لمجلات عربية شهيرة ومؤثرة.

تأثر «جوهرية» بالبيئة المصرية، حيث درس التصوير فى المعهد السينمائى بالقاهرة عام 1964 ثم درس التصوير فى لندن بمنحة من وزارة الإعلام الأردنية، التى عمل بها، ويعد رائداً فى تأسيس حركة السينما الفلسطينية. وفى عام 1967 أسس وحدة للسينما والتصوير فى حركة «فتح»، مع سلافة جاد الله ومصطفى أبوعلى، ليبصروا المناضلين الفلسطينيين فى وقت مبكر أن الصورة عموماً، والسينما خصوصاً، ليست مجرد فرجة وتسلية وتسرية، إنما هى أداة نضال مدنى لا يجب إهمالها، إنما من الضرورى تعزيزها.

وثق الثلاثة حركة النضال بتنوعاتها، حيث العمليات المسلحة، والمسيرات والمظاهرات، والأنشطة السياسية، والمؤتمرات الصحفية، والفعاليات الثقافية، ووزعوها على مختلف أجهزة الإعلام. وقد تمكن «جوهرية» من توثيق معركة الكرامة عام 1968 التى صمد فيها الفلسطينيون، وأحرزوا انتصارات ملموسة، فزاد الطلب العالمى على الحدث، وهنا لبى ما فاضت به كاميرا الفتى الموهوب، فانتعش الاهتمام بالقضية الفلسطينية عبر الصور والأفلام.

فى حديثه عن تجربته هذه يقول «جوهرية»: «باشرنا العمل قبل إيجاد المكان والمعدات اللازمة، واقتصر العمل فى البداية على توثيق صور الشهداء وبعض الأعمال الخاصة بالثورة، ولكن بعد معركة الكرامة شهدت الثورة إقبالاً صحفياً عالمياً، فزادت الحاجة إلى الصورة الفوتوغرافية، وحصلنا على مكان للعمل، وهو عبارة عن مطبخ فى أحد البيوت، كان فى ذلك الوقت يضم معظم أجهزة الثورة.. تحول المطبخ إلى معمل للطبع والتحميض وللتصوير أيضاً، وبدأ العمل بكاميرا بسيطة جداً وجهاز تنشيف بدائى بالكيروسين.. وأخذت صورة الفدائى الفلسطينى تغزو العالم».

صوَّر «جوهرية» عدة أفلام تحكى كفاح الفلسطينيين وتفضح أفعال الاحتلال، منها «الأرض المحروقة» و«لا للحل الاستسلامى» و«الحق الفلسطينى»، و«شهادة الأطفال فى زمن الحرب» و«زهرة المدائن» و«جسر العودة» و«على طريق النصر» و«المفتاح»، حتى استشهد فى حرب عبثية.

بقيت الإشارة إلى أن المؤلف الأستاذ سليم النجار هو كاتب وناقد أردنى صدر ثمانية عشر كتاباً له، أهمها «قراءات فى الرواية الفلسطينية الحديثة» و«الارتقاء نحو الصفر.. قراءة فى خمسينية ضياع فلسطين»، و«صراع الأيديولوجيا فى القضية الفلسطينية» و«سؤال الهوية فى (زنوج وبدو وفلاحون) لغالب هلسا»، «ناجى العلى.. نبض لا يزال فينا»، و«قراءات فى الرواية النسوية العربية»، وقد سبق له العمل معد برامج بإذاعة فلسطين من رام الله، ومعد حلقات درامية للأطفال مع قناة «إم. بى. سى».


مواضيع متعلقة