ياسر الشيمي يكتب: صنع الله إبراهيم.. «المقاوم»

كتب: ياسر الشيمي

ياسر الشيمي يكتب: صنع الله إبراهيم.. «المقاوم»

ياسر الشيمي يكتب: صنع الله إبراهيم.. «المقاوم»

فى صمت يخيم على أروقة المستشفى، حيث يرقد الأديب صنع الله إبراهيم، لا يكتفى هذا الصمت بتحديد مكانه أو زمانه فقط، بل يتعدى ذلك ليصبح رمزاً للحالة الإبداعية التى يعيشها هذا الروائى الكبير، فى لحظات كهذه، تكون الكلمات أكثر من مجرد أدوات، هى تعبير عن فراغ ثقافى قد لا يتمكن من ملئه سوى قامة أدبية مثله، قامة لا تكتفى بأن تروى قصة أو تطرح فكرة، بل تُحدث انقلاباً فكرياً يظل يردد صداه فى أروقة الفكر العربى لعقود.

منذ أن قدم أولى رواياته «تلك الرائحة»، كانت بدايته أشبه بموجة هادرة قد تكون مشهداً متمرداً فى الأدب العربى فى ذلك الوقت، كانت تلك الرواية، التى ظهرت فى منتصف الستينات، بمثابة صرخة ضمير فى مواجهة واقع مصرى مشوش، تحاول فيه الكلمات التسلل عبر الجدران الصماء للمجتمع لتكشف عن الحياة اليومية التى كانت تُخفى وراء أقنعة التظاهر والمجاملات، وكان هذا الظهور بمثابة إعلان عن كاتب يسعى ليس فقط لتغيير مسار الأدب، بل لإعادة تشكيل أفكار قرائه حول ما هو ممكن، وحول كيف يجب أن يُرى الإنسان فى هذا الكون المتسارع.

أفكار صنع الله إبراهيم لم تكن وليدة اللحظة أو نتاجاً للصدفة الأدبية، بل امتداد لرحلة طويلة من المراقبة الدقيقة لأحداث مصر والمنطقة العربية، التى مرّت بتقلبات اجتماعية وسياسية جعلت من السهل على هذا الكاتب أن يكون شاهداً على الزمن وناقداً له فى آن واحد، ففى روايته «اللجنة»، قدم صورة حية للبيروقراطية التى نخرت فى جسد المجتمع، تلك الصورة التى لا تكتفى بالسرد بل تتجاوز ذلك لتسجل نقطة تحوّل فى الأدب العربى الذى كان يعانى من فقر فى طرح قضايا السلطة والنفوذ، كما جاءت رواية «بيروت بيروت» لتُظهر عمق انقسام الشعوب العربية وواقع الحروب الأهلية التى تفتك بالنسيج الاجتماعى.

أما فى ثلاثيته الروائية الشهيرة «ذات»، «شرف»، و«أمريكانلى»، فقد أطلق العنان لقلمه ليغوص فى أعماق المجتمع المصرى والعربى فى فترات مفصلية، من خلال استعراض شخصيات تنقلب حياتهم فى مواجهاتهم اليومية مع السلطة، والطائفية، والتاريخ الموجع، يلتقط إبراهيم الصراع الأكبر الذى لا يقتصر على الفقر أو العنف، بل يتجاوز ذلك ليصل إلى مديات أعمق وأكثر التباساً: صراع الهويات، وصراع الفرد مع ذاته فى ظل الهويات المتعددة التى تفرضها الدولة والمجتمع.

ما يميز إبداع صنع الله إبراهيم، بخلاف تنوعه الأدبى، هو قدرته على التفكيك الدقيق للأنسجة الاجتماعية، حيث تُصبح كل شخصية فى رواياته أشبه بنموذج تجريبى لاكتشاف أعماق النفس البشرية، وسط قوى أكبر تتربص بها، قد يبدو النص عنده بسيطاً فى ظاهره، لكنه فى باطنه مشبع بشحنات فكرية ووجدانية تتراكم وتنسجم لخلق تفاعل بين النص والقارئ، ويستطيع أن يجعل من كل حوار وكل وصف ملمحاً لمرحلة تاريخية أو اجتماعية، معززة بإشارات سياسية فاعلة تتطلب تفكيراً نقدياً عميقاً.

لكن هذا الفكر الرافض، الذى يحمل بين طياته تمرداً دائماً على الواقع، لا يقتصر على رواياته وحسب، بل يتسرب إلى كل زاوية من زوايا حياته الشخصية، فصنع الله إبراهيم لم يكن يوماً صامتاً أمام التحديات السياسية، بل كان دائماً فى الصفوف الأمامية للمقاومة الفكرية، على مرّ السنوات، اتخذ مواقف جريئة تجاه الأنظمة القمعية، وكان دائماً صوتاً للحرية والمساواة فى ظل فترات القمع السياسى، ما جعل منه واحداً من أهم الرموز الأدبية التى تحدّت الاستبداد بشجاعة فكرية لا تعرف الخوف.

والآن، فى الوقت الذى يواجه فيه هذا الروائى الكبير تحديات صحية، يظل تأثيره الأدبى باقياً، كما لو أن كلماته تظل حية فى وجدان قرائه، لن يكون صنع الله إبراهيم مجرد أديب مختفٍ فى الظلال، بل ستظل رواياته وأفكاره ماثلة أمامنا، تلهم الأجيال القادمة، وتظل مصدراً للتفكير النقدى والإنسانى العميق، إن كلماته ليست قابلة للاختفاء، هى مقاومة للأزمنة والأحداث، كما هو فى عمله الأدبى، مقاوم للظلم والاستبداد.

فى النهاية، يبقى الأمل بأن يستعيد هذا الروائى قواه، لتستمر رحلته الأدبية والفكرية التى لا يزال لها صدى واسع بين محبيه، إن هذه اللحظات، التى تختبر فيها صحة صنع الله إبراهيم، تذكرنا بأن الأدب ليس مجرد كلمات مكتوبة على صفحات، بل فعل حيوى، ينبض فى كل لحظة بوجوده، وفى كل جملة تكشف عن المزيد من الحقيقة، من هنا، ننتظر عودته ليس فقط كفنان مبدع، بل كرمز حقيقى للقلم الذى لا يعترف بالمساومات، ولا يحيد عن جادة الحق مهما كانت الظروف.

تكريم صنع الله


مواضيع متعلقة