سحر الجعارة تكتب: الفتوى متغيرة بالمكان والزمان

كتب: أحمد فكري

سحر الجعارة تكتب: الفتوى متغيرة بالمكان والزمان

سحر الجعارة تكتب: الفتوى متغيرة بالمكان والزمان

على موقع «دار الإفتاء المصرية» سوف تجد هذا السؤال، ما مدى صحة مقولة: «اختلاف العلماء رحمة»؟

الجواب: الأصل فى التشريع الإسلامى أنه جاء لتحقيق الرحمة، ودفع المشقة؛ قال الله تعالى: «يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ»، البقرة: 185.

وقد أخبر النبى، صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّ اختلاف الصحابة رحمة، وأنَّ الهداية حاصلة بالأخذ بقول أى واحد منهم، فعن ابن عبَّاس رضى الله عنهما، أنَّ النبى صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «أَصْحَابِى كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» أخرجه الآجرى فى «الشريعة»، وابن بطة فى «الإبانة الكبرى».. وتستكمل الإفتاء: قال الإمام عبدالوهاب الشعرانى فى «الميزان» (1/ 74، ط. عالم الكتب): «الشريعة المُطهرة جاءت شريعةً سمحاءَ واسعةً شاملةً قابلةً لسائر أقوال أئمة الهُدى مِن هذه الأمة المُحمَّدية، وأنَّ كُلاً منهم -فيما هو عليه فى نفسه- على بصيرة من أمره وعلى صراط مستقيم، وأنَّ اختلافهم إنَّما هو رحمة بالأمة، نشأ عن تدبير العليم الحكيم].

ولذلك نصَّ العلماء فى قواعد الفقه وأصوله أنَّ الشأن فى المسائل الخلافية أنه لا إنكار فيها.

وبناءً على ذلك: فإنَّ المقولة المذكورة صحيحة شرعاً، لأنَّ الأصلَ فى التشريع الإسلامى أنه جاء لتحقيق الرحمة، ودفع المشقة، وقد أخبر النبى، صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّ اختلاف الصحابة رحمة، وأنَّ الهداية حاصلة بالأخذ بقول أىّ واحد منهم.

السؤال: كيف نستمع إلى كل «أقوال الأئمة» ونختار منها؟ أليس هذا كفراً وزندقة وخروجاً من الملة وازدراءً للإسلام (هذا السؤال من وحى مناقشات «قانون تنظيم الفتوى»، الذى تتم مناقشته حالياً فى مجلس النواب)!

لكن كيف نناقش أصلاً ونحن بلا عقل، ولسنا من قوم يتفقهون ولا يتفكرون.. وقد قرر «الأوصياء» انتزاع حتى حق «استفت قلبك» منا، لينفرد الأزهر دون غيره (ومعه دار الإفتاء) بالفتوى.. حتى عشرات الآلاف من الوعاظ والأئمة فى المساجد (التابعة لوزارة الأوقاف) لن يُسمح لهم بالنطق (آه والله).. وهكذا تتحول الفتوى إلى نظام «الحوزة العلمية لدى الشيعة» ويصبح لدينا «ملالى سنة» ويفرض الخرس على الجميع، حتى وزير الأوقاف الدكتور «أسامة الأزهرى»، الذى لم ينعم بالإفتاء، وربما يتم تجريم أو تحريم مذهبه «الصوفى» بفتوى، ويجوز حتى إلغاء القانون الذى ينظم عمل الطرق الصوفية (!!).

من يتصور أن هذا الكلام ساخر أو مثير للضحك لا بد أن يتأكد أنه ما يحدث «حرفياً» تحت قبة مجلس النواب، وأزيد عليه تصريح الدكتور «على جمعة»، رئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب لمناقشة مشروع القانون، موجهاً حديثه إلى ممثل الأزهر: «كان يجب الانتظار لحين الانتهاء من المناقشات، ما حدث لا يليق، وقد خالف الأعراف البرلمانية، واللجنة مستاءة مما جرى، وعليك أن تبلغ رؤساءك فى الأزهر بذلك رسميّاً».

الآن وجب على التوضيح: تقدّمت وزارة الأوقاف بمشروع قانون لتنظيم الفتوى (سنناقشه العدد القادم)، وما إن وافق البرلمان مبدئياً على المشروع تم إقصاء الأوقاف من «الفتوى» بالأساس، واحتكار الأزهر للفتوى، بعد أن أنعم على دار الإفتاء بشراكته، إلى جانب «هيئة كبار العلماء» التابعة للأزهر أيضاً.. الاختلاف لا يزال قائماً حتى لحظة كتابة هذا المقال.

والأسئلة لا تزال مطروحة عند المواطن العادى: الأزهر بحكم الدستور (مادة 7 من الدستور) «هو المرجع الأساسى فى العلوم الدينية والشئون الإسلامية»، أى أنه المسئول عن التجديد فى كتب الفقه والتفسير والعقيدة، كما أنه مسئول عن الشئون الإسلامية، مثل مراجعة طباعة المصحف، أما سن القوانين ومطابقتها لمبادئ الشريعة الإسلامية فهى مسئولية برلمانية للمجلس التشريعى والمحكمة الدستورية العليا.

الأهم من ذلك أن فتاوى المعاملات الإنسانية (الزواج والطلاق، والإرث، والأضحية.. إلخ المعاملات البعيدة عن العبادات) يستحيل السيطرة عليها، لأنها تتردّد فى الزوايا وعلى ألسنة العامة وغير المتخصّصين، أما المتخصصون فأنت تحتاج إلى جهاز شرطة مستقل ومباحث إنترنت وألف جهة لمنعهم من الكلام وتكميم أفواههم وملاحقتهم بالقضايا والمنع.. فهل هذا له علاقة بالدين، أم أنه صراع مؤسسى للهيمنة والنفوذ يفرض العزل الفقهى على الكل، عدا «المختارين والمرضى عنهم»!

اتركوها يا سادة: الفتوى أصلاً متغيرة، فكل ما قيل من قبل، وكل ما اختلفوا حوله تبدّل بتغير المكان والزمان والبشر، من يقول إن الحجاب فرض أو لا، ضرب المرأة لخدش كرامتها جائز، الطلاق الشفهى يقع أم لا.. كلها أحكام متغيرة: ختان الإناث كان واجباً حين كان الشيخ «جاد الحق» شيخاً للأزهر، وأصبح الآن محظوراً!!.. التعبّد وفقاً للمذهب الشيعى كان مباحاً حين كان الشيخ «محمود شلتوت» شيخاً للأزهر وأصبح الآن محظوراً (الدولة وحدها التى تملك الحظر أو الإباحة).. هل وزارة الأوقاف تتبع الدولة؟

الفتوى متغيرة بالمكان والزمان

سحر الجعارة


مواضيع متعلقة