عماد فؤاد يكتب: شراكة الشعب والقيادة في مواجهة العاصفة (2)
عماد فؤاد يكتب: شراكة الشعب والقيادة في مواجهة العاصفة (2)
تستمد مصر قدرتها على الصمود والمناورة فى هذا المحيط المضطرب من أهميتها الجيوسياسية، التى يصعب تجاوزها، ولا يمكن فهم دورها دون استحضار موقعها على الخريطة الذى يكشف عن وجودها كجسر بين قارات العالم القديم، وحارسة لأهم الممرات المائية والتجارية الحيوية، وأهمها قناة السويس، التى تمر عبرها 12% من التجارة العالمية.
هذا الموقع جعلها دوماً فى بؤرة اهتمام القوى الكبرى، ومنحها فى الوقت نفسه وضعاً استثنائياً، ونفوذاً استراتيجياً واقتصادياً كبيراً، كما أن ثقلها الديموغرافى كأكبر دولة فى منطقتها من حيث عدد السكان، وعمقها الحضارى والتاريخى، ودورها الريادى فى العالمين العربى والإسلامى، كلها عوامل تعزز من مكانتها وتأثيرها.
وفى السنوات الأخيرة، تميزت مصر بدورها المحورى فى أمن الطاقة الإقليمى، مع اكتشافات الغاز الطبيعى الهائلة فى شرق المتوسط، وسعيها للتحول إلى مركز إقليمى لتداول الطاقة، بالإضافة إلى عضويتها الفاعلة فى العديد من المنظمات الإقليمية والدولية، وقدرتها على التأثير فى القرارات المتعلقة بقضايا الشرق الأوسط وأفريقيا.
كل هذه المقومات جعلت مصر لاعباً أساسياً لا غنى عنه فى أى ترتيبات أمنية أو سياسية فى المنطقة، ومن هنا يبرز الأداء اللافت للسياسة الخارجية المصرية السنوات الأخيرة.
انتهجت مصر فى عهد السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى سياسة خارجية تتسم بالواقعية والمرونة، تضمن لها -فى المقام الأول- حماية المصالح الوطنية العليا وتعزيز الأمن القومى.
يعتمد جوهر هذه السياسة على بناء علاقات قوية ومتوازنة مع جميع القوى الكبرى المؤثرة، كالولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، والصين، ودول الاتحاد الأوروبى، دون الانزلاق إلى سياسة المحاور، أو الاصطفاف لأى من أطراف الصراعات الدولية، وكذلك الانفتاح على مختلف دول العالم شرقاً وغرباً للحفاظ على المصالح الحيوية للدولة.
ولتقريب الصورة يمكن الإشارة للحرب التجارية الأمريكية- الصينية، لنرى حرص مصر على تنويع شركائها الاقتصاديين، فهى تعقد اتفاقيات الاستثمار مع الصين، دون إغفال العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، وفى تعاملها مع الحرب الروسية- الأوكرانية، التزمت الحياد، واستفادت من تعزيز التعامل مع روسيا فى استيراد القمح، بينما حافظت على تعاونها مع الغرب فى توسيع قاعدة الشراكات الاقتصادية والتجارية، وفى الملفات المهمة، مثل التصدى للإرهاب، ومكافحة الهجرة غير الشرعية.
على الصعيد الإقليمى، تواجه مصر -فى محيطها المباشر- تحديات أكثر تعقيداً، بداية من العدوان الإسرائيلى على غزة، وتلعب دوراً محورياً فى الوساطة لوقف العدوان، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية.
وتتصاعد تلك التحديات، من السودان الغارق فى حرب أهلية، إلى ليبيا التى تعانى من الانقسام السياسى، واليمن الذى يشهد صراعاً دامياً بين أطرافه، وسوريا التى ذهبت إلى المجهول.
هنا، تعمل السياسة المصرية فى اتجاه الدفع بالحلول السياسية، كما -على سبيل المثال- فى ليبيا عبر دعم المسار الانتخابى، وفى السودان عبر استضافة مباحثات بين الأطراف المتحاربة.
هذا النهج يعكس إدراكاً مصرياً بأن استقرار دول الجوار، وعدم التدخل الخارجى فى شئونها الداخلية، ودعم مؤسساتها الوطنية، واحترام سيادتها، ووحدة أراضيها، هو ضمانة للأمن القومى المصرى والعربى، ولأمن المنطقة بأكملها.
بهذه السياسة الخارجية حققت مصر نجاحات مهمة، وقفزت على مشكلات معقدة، وأكدت قدرتها على العبور إلى شاطئ الأمان.
أما عن الوضع الداخلى.. فللحديث بقية.