علي الفاتح يكتب: هواجس حول مشروع قانون الإيجار القديم
علي الفاتح يكتب: هواجس حول مشروع قانون الإيجار القديم
من حسن الحظ أننا فى دولة مؤسسات لا تقر القوانين فيها إلا بعد مرورها عبر بوابة البرلمان، الذى يلجأ إلى آلية الحوار المجتمعى عندما يتعلق الأمر بقضية وثيقة الصلة بمصالح ملايين المواطنين.
لا أريد الاسترسال فى تخيل ما كان سيصبح عليه المجتمع المصرى لو تم تطبيق مشروع قانون الحكومة على النحو الذى قدمته، غير أن التساؤلات الواجبة هنا: على أى أساس نص مشروع القانون أن يصبح الحد الأدنى للقيمة الإيجارية ألف جنيه، بعد رفعها 20 مِثلاً، وهى الأعلم والأدرى بما يتقاضاه أصحاب المعاشات والموظفون ومعدلات التضخم المعروفة والمتوقعة خلال عامين على الأقل، طبقاً لسياساتها الاقتصادية؟!
ما هى مرجعيات الحكومة فى صياغة مشاريع القوانين، هل تعتمد على بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء والوزارات المختلفة؟!
هل تلجأ إلى الدراسات الاقتصادية والاجتماعية الموجودة فعلياً على أرفف مكتبات الجامعات ومراكز الأبحاث؟!
هذه التساؤلات تقودنا إلى دعوة الحكومة لمراجعة قراراتها الإدارية والتنفيذية مع الخبراء والجهات المعنية المختصة على الأقل بعد مرور عام على تنفيذها لترى مدى واقعيتها ومواءمتها للصالح العام، حتى إذا كانت لا تخالف القوانين ولوائحها التنفيذية.
هذا الحديث ليس انتقاداً للحكومة، بقدر ما هو حرص على أن تخرج مشاريع القوانين، التى تصوغها، على نحو لا يستفز الرأى العام، أو الأطراف المخاطبة بها، ما يدفعهم إلى رفضها بالكلية، بدلاً من الانخراط فى عملية الحوار حولها.
الرأى العام لا يريد أن يدخل فى مساومة على مصالحه بسبب ما يعتقد أنها أسقف عالية تطرحها الحكومة لمعالجة هذا النوع من القضايا.
ردود فعل جمعيات وروابط وائتلافات المستأجرين على مشروع قانون الإيجار القديم هى ما تدفعنا إلى طرح هذا النقاش على الحكومة علّها تنتبه إلى مثل هذه المسائل عند وضع مشاريع قوانين تعالج قضايا حساسة، أو اتخاذ قرارات اقتصادية واجتماعية تمس ملايين المواطنين.
هناك العديد من الأفكار والحلول البديلة التى طُرحت منذ عرض مشروع القانون على البرلمان وطرحه لجلسات الحوار المجتمعى، منها: مراعاة نسب زيادة القيمة الإيجارية للمستأجرين الذين دفعوا ما كان يسمى بـ«خلو الرِجل»، ومنها ما اقترح تعويض المستأجر بنسبة تراوحت ما بين 25 إلى 50% من قيمة الوحدة السكنية بحسب أسعار اليوم لمساعدتهم فى إيجاد سكن بديل، ومنها ما اقترح أنه من الممكن إتاحة شقق الإيجار القديم للتمليك على أن تقوم البنوك بتمويل هذه العملية بشروط ميسرة واستثنائية وفوائد مخفضة، خاصة أن أغلب المستأجرين من أصحاب المعاشات.
لكل الأفكار والمقترحات وجاهتها، لكن لا بد أن تكون هناك أفكار مؤسسة على ضرورة أن تقوم الحكومة بدعم المستأجر صاحب المعاش المتدنى أو محدود الدخل كجزء من مسئوليتها السياسية والاجتماعية، لا سيما أن هناك العديد من الشقق مغلقة، وهناك حالات أخرى حصل فيها المستأجر على شقة تمليك أو وحدة من وحدات إسكان الدولة وأقام فيها بالفعل، وليس مضطراً للاحتفاظ بشقة فى الإيجار القديم. وإذا توافقنا مع الحكومة على زيادة العشرين مِثلاً، فعليها أن تبحث كل حالة على حدة وفقاً لبيانات دخلها وظروفها الصحية، تدفع الحكومة الفارق بين قيمة العشرين مِثلاً، والألف جنيه المقررة فى مشروع القانون، ألف جنيه كحد أدنى فى الحضر، و500 جنيه فى الريف.
كذلك طالبت أحزاب كثيرة بإرجاء بحث مسألة الفترة الانتقالية لإنهاء العلاقة الإيجارية والمحددة بخمس سنوات، والاكتفاء بمناقشة مسألة القيمة الإيجارية التزاماً بحكم الدستورية العليا، غير أن هذا النص تحديداً يتعارض مع حكم آخر صادر عام 2002 عن المحكمة الدستورية أقر بامتداد عقد الإيجار إلى جيل واحد.
أخشى ألا يسعف الوقت البرلمان فى دورته الحالية للتوصل إلى صيغة توافقية حول مشروع القانون برمته، وهو ما ينبغى حسبانه لإيجاد مخرج دستورى وقانونى يرحّل عملية إصدار هذا القانون للبرلمان القادم حتى يستوفى حقه فى الدراسة والبحث والمناقشة الهادئة ليخرج متوازناً قابلاً للتنفيذ.