مستشفيات غزة منكوبة.. من ملاذات آمنة إلى أهداف عسكرية للاحتلال الإسرائيلي

كتب: محمد عبد العزيز

مستشفيات غزة منكوبة.. من ملاذات آمنة إلى أهداف عسكرية للاحتلال الإسرائيلي

مستشفيات غزة منكوبة.. من ملاذات آمنة إلى أهداف عسكرية للاحتلال الإسرائيلي

كتبت - رباب أشرف ونور عبدالغنى صلاح

وجدت الطواقم الطبية فى قطاع غزة نفسها داخل دائرة الاستهداف، منذ اندلاع الحرب فى السابع من أكتوبر 2023، ومع اتساع رقعة الدمار الذى خلّفته الغارات الإسرائيلية، تحولت المستشفيات والمراكز الصحية من ملاذات آمنة إلى أهداف عسكرية صريحة، وأصبحت الطواقم الطبية أهدافاً متحركة تعمل يومياً تحت القصف المتعمد، ما جعل كل إجراء طبى أشبه بمعجزة، وأصبحت المستشفيات داخل القطاع محطات لانتظار الموت.

37% نقصاً فى الأدوية الأساسية و59% بـ«المستلزمات الطبية»

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية أن الخدمة فى المستشفيات تُقدَّم وفق أرصدة محدودة من الأدوية والمهام الطبية، وأزمة نقص الأدوية تعيق الطواقم المتبقية عن إتمام التدخلات الطارئة للجرحى، ومئات المرضى والجرحى يزدادون معاناةً مع إغلاق المعابر، لاسيما مرضى السرطان والفشل الكلوى والقلب، وبلغت نسبة النقص فى الأدوية الأساسية 37%، وفى المستلزمات الطبية 59%.

وأكدت إحصائيات وزارة الصحة الفلسطينية والجهاز المركزى للإحصاء الفلسطينى حتى نهاية مارس 2025، استشهاد 1394 من الكوادر الطبية، بينهم أطباء وممرضون ومسعفون، وإصابة أكثر من 300 من أفراد الطواقم الطبية بجروح متفاوتة، فيما ارتقى 67 مسعفاً أثناء تأدية واجبهم الإنسانى.

وأضافت أن المنشآت الصحية لم تسلم من الهجوم، وتم استهداف 150 منشأة صحية بشكل مباشر، بما فى ذلك مستشفيات ومراكز إسعاف، فيما سُجِّلت أكثر من 250 عملية قصف لمستشفيات، ما أدى إلى تدمير 32 مستشفى بشكل كامل وخروجها نهائياً عن الخدمة ما يجسد حجم المأساة التى يعيشها القطاع الصحى فى غزة، فى ظل انهيار المنظومة الطبية وحرمان الجرحى والمرضى من أبسط حقوقهم فى العلاج والرعاية.

وأكد الدكتور صهيب الهمص، مدير مستشفى الكويت التخصصى الميدانى فى منطقة المواصى، لـ«الوطن» أنه تم استهداف البوابة الخلفية للمستشفى بصاروخ من مسيّرة إسرائيلية، رغم أن المستشفى ميدانى واضح المعالم ويُرفع عليه شعار طبى معروف، إلا أنه لم يسلم من القصف الإسرائيلى، ما أسفر عن استشهاد أحد أفراد الطواقم الطبية بشكل فورى، وإصابة 9 آخرين من المرضى والعاملين، بإصابات متوسطة وحرجة.

وأضاف مدير المستشفى أن الجيش الإسرائيلى ينتهك وبشكل مباشر القانون الدولى ويشن هجمات وغارات بشكل مكثف ومتعمد على القطاعات الصحية يومياً.

وتابع: «رغم تضرر أجزاء كبيرة من الخيام الطبية، لم يتوقف العمل فى المستشفى، وغرف العمليات والعيادات والطوارئ والولادة كلها تعمل بجهد مضاعف، وسط عجز شديد فى المعدات والأدوية والأطباء والمسعفين، وأكثر ما يُرعبنا الآن أن ينفد الوقود، فالمولدات لا تملك سوى وقود يكفى من 10 إلى 13 يوماً فقط، وبعد ذلك، ستتحول المستشفى إلى ثلاجة للموتى.

وأشار «الهمص» إلى أن الكادر الطبى يعمل فى ظروف أقرب إلى المستحيل، فالمعبر مغلق منذ أكثر من 40 يوماً، ولم تدخل أى علبة دواء منذ ذلك الوقت، ومعظم الأدوية الحيوية نفدت، ومن بينها المحاليل الملحية، والمضادات الحيوية، وحتى أبسط الأدوات مثل الشاش والقطن الطبى، وأنبوب الصدر، وهو أداة إنقاذ أساسية للمصابين بتهتك فى القفص الصدرى أو نزيف داخلى، غير متوفر نهائياً الآن، مشيراً إلى أن «هذه ليست مجرد أزمة طبية، هذه مجزرة بطيئة بحق كل من يدخل المستشفى طلباً للنجاة».

وحذّر من أن الكارثة لا تقتصر على المعدات، بل تمتد إلى الجانب النفسى للطواقم الطبية التى باتت تعمل تحت نيران القصف، دون أى حماية وتعرض أحد الزملاء لإصابة خطيرة أثناء توجهه للعمل، خرج من منزله الساعة الخامسة صباحاً، وقُصف أثناء مروره قرب المستشفى، ولم يعد أحد فى الطاقم يشعر بالأمان، ونواصل العمل لأن هناك مرضى لا ذنب لهم سوى أنهم يحتاجون إلى علاج.

وطالب «الهمص» بتطبيق القانون الدولى على الأرض، فالمستشفيات ليست أهدافاً عسكرية، والطواقم الطبية ليست طرفاً فى الحرب، كل يوم يُقتل فيه مريض لعدم توفر العلاج، أو يُستشهد فيه طبيب أثناء عمله، هو يوم يُدان فيه العالم كله بالصمت، والأطباء فى غزة يخوضون معركة مزدوجة ضد الموت، والتخلى.

من جانبه كشف مدير مجمع الشفاء الطبى فى قطاع غزة، الدكتور محمد أبوسلمية عن الوضع الكارثى الذى تعيشه المنظومة الصحية، مؤكداً أن الاحتلال الإسرائيلى يتبع سياسة ممنهجة لتدمير المستشفيات وإخراجها عن الخدمة، بعدما دمر المجمع بشكل كامل فى أبريل 2024، خلال اقتحامه للمستشفى وتفجير مبانيه.

وأوضح «أبوسلمية»: «حاولنا إعادة تشغيل بعض الأقسام فى سبتمبر 2024، وبدأنا بقسم الطوارئ، ثم أعيد تفعيل بعض الأقسام القليلة ونسبة العمل الحالية لا تتجاوز 25% فقط».

وأوضح «أبوسلمية» أن هناك نقصاً كبيراً فى الإمكانيات وتصاعد الكارثة بعد قصف مستشفى المعمدانى، والمنظومة الصحية لا تستطيع الصمود أكثر من ذلك وعلى وشك الانهيار نتيجة إغلاق المعابر لأكثر من 45 يوماً، ما منع دخول الأدوية، والمستلزمات الطبية، وأجهزة الأشعة، والأوكسجين.

وأضاف: «بعد تدمير مستشفى المعمدانى الذى كان يحتوى على أكثر من 120 سريراً، أصبحت كل الأعباء تقع على عاتق مجمع الشفاء، حيث تضاعف عدد الجرحى والمرضى، وأصبحت الغرف التى كانت تضم 5 أسرة تحتوى الآن على 10 أو حتى 12 سريراً. الوضع مأساوى بكل معنى الكلمة».

وشدد على أن قصف المستشفيات ليس عشوائياً، بل هو سياسة ممنهجة تهدف لتدمير المنظومة الصحية، وقال إنه أطلق على ما يحدث منذ بداية الحرب أنها حرب على المستشفيات، حيث إن الاحتلال دمر 25 مستشفى، وما تبقى فقط 10 من أصل 35. وهم يريدون إنهاء الأمل لدى الناس، لأن المستشفى هو المكان الوحيد الذى يمنحهم شعوراً بالأمان، والاحتلال يمنع كل مقومات الحياة، حتى يضطر الناس للهروب من غزة، والهدف هو قتل وتهجير أكبر عدد ممكن.

وتابع: «العالم كله شاهد الجريمة التى ارتكبها الاحتلال فى رفح عندما دفن سائقى الإسعاف والدفاع المدنى وهم أحياء داخل سياراتهم، فى جريمة غير مسبوقة».

وأشار إلى أنهم يعملون منذ أكثر من عام ونصف دون راحة، ويواجهون أوضاعاً نفسية وإنسانية صعبة جداً، حيث إن هناك أكثر من 1400 من الكوادر الطبية بينهم مديرو مستشفيات، واستشاريون، وأخصائيون استشهدوا.

وذكر «أبوسلمية» أن هناك أكثر من 450 من الكوادر الطبية معتقل حتى الآن، وتحدث عن اعتقاله شخصياً فى بداية نوفمبر 2023، وأوضح أن المضايقات الإسرائيلية ما زالت مستمرة حتى اليوم، موضحاً أن هذه المضايقات تهدف إلى شىء واحد وهو إسكات الصوت الطبى، وتعطيل العمل داخل المستشفيات، فالاحتلال لا يريد لأى مستشفى أن يعمل، لأنه يعلم أن وجود رعاية طبية يعنى بقاء الناس على قيد الحياة.

وطالب «أبوسلمية» بوقف هذه المجازر وهذه الحرب فوراً، وثانياً طالب بفتح المعابر وإدخال المستلزمات الطبية، والأدوية، والمستشفيات الميدانية، والجراحين المتخصصين، وسرعة إخراج أكثر من 14٫000 مريض وجريح بحاجة للعلاج فى الخارج، وحياتهم مهددة يومياً.


مواضيع متعلقة