أنا و«ترامب» في المملكة

وصلت مساء الاثنين 12 مايو إلى الرياض فى زيارة عمل قصيرة جداً، لمتابعة الحدث الكبير الذى انشغل به إقليم الشرق الأوسط، من أقرب زاوية تحليلية، متابعاً عبر نافذة العاصمة السعودية زيارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب التاريخية إلى المملكة ودول خليجية أخرى.

أعود للرياض بعد غياب، مثل ترامب، الذى كانت زيارته الأخيرة فى مايو 2017، فيما كانت آخر زيارة قمت بها إلى المملكة فى ديسمبر 2018، تسارعت الأحداث وتباعدت السنوات منذ تلك الزيارة، تطورت فيها المدينة الغالية التى احتلت مساحتها الخاصة فى وجدانى رغم خشونتها الظاهرة وكبريائها الطاغية، اللذين تخفى خلفهما طيبة وبساطة تلازمهما «ثقة»، يندر وجودها فى كبرى عواصم العالم.

وبهذه البساطة التى لا تخلو من ندية، استقبلت الرياض ضيفها الكبير، بلا تكلف أو توتر أو كرم مبالغ فيه، استقبلته كمدينة عصرية وعاصمة لدولة كبرى فى إقليمها ومؤثرة فى العالم، مكانة تحققت فى ظل قيادة واعية تمتلك إرادة سياسية صادقة ومشروعاً نهضوياً طموحاً، انتقلت به المملكة عبر آلة الزمن لتلحق الركب وتلامس سقف أحلامها، بعد أن نجحت فى تفكيك قيودها وتجاوز عثراتها بالتصالح بين تناقضاتها وإتاحة الفرص للجميع، محلقة فى فضاء التقدم فى عهد خادم الحرمين الشريفين سلمان بن العزيز، وولى عهده الأمير محمد.

تأتى زيارة «ترامب» إلى المنطقة فى توقيت بالغ التعقيد، حيث يعول عليه سائر شعوب الإقليم المشتعلة ملفاته فى حدوث انفراجة أو خطوة على طريق التهدئة، فهل حملت الرحلة (الترامبية) أى مفاجأة إيجابية تمنح البعد الاقتصادى الطاغى على الزيارة جانباً سياسياً، كانت تترجاه شعوب المنطقة؟

كانت المفاجأة الكبيرة من نصيب سوريا، عندما أعلن الرئيس الأمريكى فى ختام منتدى الاستثمار السعودى الأمريكى، أنه بعد حديثه مع ولى العهد السعودى والرئيس التركى، قرر رفع العقوبات المفروضة على سوريا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، بل إن «ترامب» التقى بالفعل الرئيس السورى أحمد الشرع خلال زيارته إلى الرياض، فى لقاء منح سوريا شرعية دولية وإقليمية مؤثرة، تجعلها تقفز خطوات على طريق لم الشمل وإعادة اللحمة إلى خريطتها الممزقة.

فازت سوريا فى زيارة «ترامب» للسعودية، بينما لم تحظَ غزة إلا بتكرار للوعود الأمريكية التى يعاد صياغتها طوال الأسابيع الماضية، وتتحدث عن ضغوط يمارسها «ترامب» على حكومة الاحتلال الإسرائيلى لإنفاذ المساعدات الإنسانية إلى داخل القطاع المنكوب، وعن مفاوضات يجريها مبعوثه الخاص للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، مع قيادات من حركة حماس، أدت إلى الإفراج عن الرهينة الأمريكى (الإسرائيلى) عيدان ألكسندر، ولم تسفر عن جديد بخصوص الإفراج عن الشعب الفلسطينى الأسير فى أكبر سجن مفتوح فى العالم ينتظر مصيره، وتتلاعب به الأمنيات.

أما القمة الخليجية الأمريكية، فقد كانت فرصة للتفاعل الخليجى مع تصورات الحاضر التى يتشكل بها مستقبل المنطقة، حيث تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية فاعلاً رئيسياً فيها، بعد أن تخطى دورها فى حماية توازنات الأمن الإقليمى من أطماع وتطلعات دول مثل إسرائيل وإيران، إلى الاشتباك المباشر فى كافة التفاصيل. وهو ما جعل رسائل «ترامب» فى الرياض والتى عبر عنها فى كلمته خلال اجتماع القمة، بمثابة خارطة طريق لقادم الأيام فى كافة الملفات المشتعلة فى الشرق الأوسط، ويأتى فى المقدمة منها ما يتعلق بإيران، سواء على مستوى ملفها النووى أو دور الميليشيات المسلحة والتى توصف بأذرعها، وتوجد فى أكثر من بلد عربى.

ظهر «ترامب» فى أفضل صورة له منذ أن تم تنصيبه فى 20 يناير الماضى، بدا أكثر رصانة وحكمة، وتجنب أى تجاوزات سياسية أو بروتوكولية قد تسبب الحرج لمضيفه الأمير محمد، كما حرص على الإشادة بولى العهد السعودى وبدور الرياض فى إحلال السلام فى العالم، مؤكداً حرصه على العلاقة الاستراتيجية مع المملكة.

أما الأمير السعودى الشاب، الذى يصفه شعبه بـ«صاحب الرؤية»، فقد توّج بشراكته التى جاوزت حدود الخيال، جهد عشر سنوات، مثلت العقد الذهبى للمملكة فى ظل قيادة الملك سلمان، قفزت فيها الدولة العربية الشقيقة خطوات فى مسيرتها نحو النهضة والتقدم، ظهرت فيها أمام العالم فى أبهى صورها معبرة عن الشخصية العربية المسلمة الحديثة.

ما تحقق فى المملكة ينعكس بالخير على كل شعوب المنطقة، التى ترتبط مع السعودية فى علاقات اقتصادية متنامية، ما بين استثمار وتبادل تجارى، يزيدها متانة التفاعل المشترك على كافة الأصعدة.

أما انخراط الولايات المتحدة الأمريكية فى هذه الشراكات المتعددة مع دول خليجية شقيقة، يجعل إدارة ترامب أكثر احتراماً وتقديراً للرؤية العربية فى كافة القضايا المطروحة إقليمياً ودولياً، وأيضاً ربما تحمل للشرق الأوسط فرصاً للاستقرار المستقبلى القريب، وهو ما نتمناه جميعاً.