مسؤول أمريكي سابق: حاولت إثارة المخاوف لما يحدث في غزة ولم يتحرك أحد (حوار)
مسؤول أمريكي سابق: حاولت إثارة المخاوف لما يحدث في غزة ولم يتحرك أحد (حوار)
قال طارق حبش، المسؤول البارز في وزارة التعليم بالإدارة الأمريكية السابقة، وثاني مسؤول يستقيل من إدارة بايدن احتجاجًا على الدعم الأمريكي لحرب غزة، إن استقالته جاءت بسبب نزع إدارة بايدن الصفة الإنسانية عن حياة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية بشكل شبه يومي.
وأوضح «حبش»، في حوار مع «الوطن»، إن الإدارة السابقة لم تقدّر حياة الفلسطينيين وأبدت الدعم الكامل لنظام إسرائيلي صمم على تجويع وإبادة أعداد لا تُحصى من المدنيين في قطاع غزة، وإلى نص الحوار:
طارق حبش.. ثاني مسؤول يستقيل من إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن
متى قررت الاستقالة من إدارة الرئيس السابق بايدن؟
أعلنتُ استقالتي في يناير من العام الماضي، اتخذتُ القرار في الأسابيع التي سبقت الإعلان الرسمي، بصفتي فلسطينيًا أمريكيًا، وسليلًا لأجيال من المسيحيين الفلسطينيين الذين طُردوا قسرًا من يافا عام 1948، كان من غير المقبول العمل مع إدارة ورئيس يفرضان شروطًا على إنسانيتي، ولا يؤمنان بأن حياة الفلسطينيين مساوية لحياة الآخرين.
محاولات لتغيير سياسات الإدارة قبل الاستقالة
هل فكرت كثيرًا قبل الاستقالة؟ وهل واجهت معارضة من إدارتك؟
بطرق عديدة، حاولتُ بذل كل ما في وسعي لتغيير سياسات الإدارة، بدءًا من الدعم غير المشروط لمجازر إسرائيل بحق الفلسطينيين، ومرورًا بالمخاوف من انتهاكات القوانين الأمريكية المتمثلة في تقييد إسرائيل للمساعدات الإنسانية كأسلوب عقاب جماعي، ووصولًا إلى القمع المستمر للطلاب في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وبمجرد أن اتضح تمامًا أن دوري داخل الإدارة لا يمكن أن يؤثر على أي سياسات، وأن القرارات تُتخذ من قِبل مجموعة صغيرة من الأفراد ذوي التوجهات الأيديولوجية، أدركتُ أنني لم أعد أستطيع الاستمرار في خدمة مصالح الشعب الأمريكي لأن قيادتنا تتجاهل المُثُل الديمقراطية ذاتها التي جُبِرنا لخدمتها، لذا، بالنسبة لي، لم تكن لحظةً مُحددة، بل كانت ذروةً لنزع الصفة الإنسانية عن حياة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية بشكل شبه يومي، وسياسات وخطابات لم تتغير أبدًا، مهما حاولتُ أنا والآخرون جاهدين لتغييرها.
كيف كانت ردة فعل زملائك وإدارة بايدن بعد استقالتك؟
عندما استقلتُ سمعتُ من عدد لا يُحصى من زملائي في وزارة التعليم دعمًا كبيرًا، تواصل معي الكثيرون للتعبير عن تفهمهم وتوافقهم مع موقفي بشأن غزة، لكنني لم أتلق أي رد من البيت الأبيض، على الرغم من إثارة المخاوف عبر طرق مُختلفة، والتحدث إلى مسؤولين رفيعي المستوى، بمن فيهم وزير في مجلس الوزراء.
حبش: واجهت مضايقات وكراهية منذ استقالتي
هل واجهت مشاكل بعد استقالتك وبسبب دعمك لفلسطين؟
لو كان الدفاع عن العدالة سهلاً، لكان عدد أكبر من الناس قد فعلوا ذلك، لكن هذا لا يعني أن اتخاذ هذا الموقف لا يستحق العناء، ربما واجهتُ مضايقات وكراهية منذ استقالتي، لكنني حظيتُ أيضًا بدعم هائل، لا أندم للحظة على قراري بالاستقالة علنًا، أو على قول الحقيقة للسلطة.
متى عُيّنتَ في إدارة بايدن؟
تطوعت في الحملة الرئاسية لصياغة أجندة بايدن-هاريس لسياسة التعليم، وانضممتُ رسميًا إلى الإدارة في 2 فبراير 2021، عملتُ لمدة ثلاث سنوات كخبير ومستشار سياسات في مكتب التخطيط والتقييم وتطوير السياسات، حيث كنت مسؤولًا عن ملف سياسة التعليم العالي في الوزارة بشأن قضايا تشمل قروض الطلاب، والوصول إلى الجامعات، والقدرة على تحمل التكاليف.
هل توقعتَ نهجًا مُختلفًا من إدارة بايدن تجاه حرب غزة؟
نعم، توقعت ذلك، أبدى جو بايدن التزامه بالديمقراطية الأمريكية، وألمح إلى أنه رجل يتمتع بالوضوح الأخلاقي والتعاطف، كونه شخصًا يهتم بنظامنا التعليمي وحقوق الإنسان والرعاية الصحية والبيئة، عملتُ مع الرئيس بايدن لأنني كنتُ منسجمًا إلى حد كبير مع أجندته في السياسة الداخلية، لكن ما أدركتُه سريعًا هو أن جو بايدن لا يُقدّر حياة الفلسطينيين، وسياساته التي تتجاهل النظام الدولي القائم على القواعد والقانون الأمريكي، لصالح نظام إسرائيلي مُصمم على تجويع وإبادة أعداد لا تُحصى من الفلسطينيين، قوّضت ليس فقط الأساس الأخلاقي لرئاسته بأكملها، بل قوّضت أيضًا مصداقية الولايات المتحدة على الساحة العالمية.
الدعم غير المشروط من إدارة بايدن لإسرائيل
كيف ترى الدعم الأعمى الذي قدمته إدارة بايدن لإسرائيل؟
كان مدى دعم بايدن غير المشروط لإسرائيل صادمًا، تأييد الرؤساء الأمريكيين لإسرائيل ليس بالأمر الجديد، لكن في تاريخنا، من الرؤساء الجمهوريين إلى الديمقراطيين، هناك تقليد طويل في السيطرة على القادة الإسرائيليين باستخدام النفوذ الأمريكي، أجبر أيزنهاور ديفيد بن جوريون على الانسحاب من سيناء عام 1956، وأجبر كارتر عام 1978 مناحيم بيجن على التخلي عن مستوطنات سيناء والموافقة على معاهدة سلام مع مصر، وأجبر ريجان، في يونيو 1982، بيجن على الموافقة على إصدار أمر بوقف إطلاق النار في بيروت، وحجب جورج بوش الأب 10 مليارات دولار من المساعدات بعد أن رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي وقف بناء المستوطنات، وقد رضخت إسرائيل في كل حالة على حدة، والمحزن هو أن بايدن كان بإمكانه إنهاء هذه الحرب على الفور بممارسة أي قدر من الضغط، بما في ذلك مجرد التهديد بحجب الأسلحة عن إسرائيل، لكنه رفض ذلك مرارًا وتكرارًا، والآن تشير التقديرات إلى مقتل مئات الآلاف من الفلسطينيين، وتدمير غزة، والمنطقة أقل استقرارًا من أي وقت مضى، بدّد جو بايدن نفوذه لدى نتنياهو حتى في الوقت الذي قوّض فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي الولايات المتحدة مرارًا وتكرارًا، وبشكل أكثر حدة، الديمقراطيين، حيث تدهور الرأي العام بشأن السباق الرئاسي جزئيًا بسبب الفشل في التوصل إلى وقف إطلاق النار قبل الانتخابات.
هل فشلت إدارة بايدن في إدارة حرب غزة؟
نعم، وبنسب تاريخية، أدى فشل بايدن في إدارة الحرب إلى ارتكاب الحكومة الإسرائيلية جرائم حرب واسعة النطاق، كما كان عاملًا رئيسيًا في خسارة كامالا هاريس للانتخابات في نوفمبر، لأن العديد من الناخبين في القاعدة الديمقراطية، الذين صوّت الكثير منهم لجو بايدن في عام 2020، لم يشاركوا في صناديق الاقتراع، على سبيل المثال، أشار استطلاع حديث للرأي إلى أن الناخبين على الصعيد الوطني الذين صوّتوا لبايدن في عام 2020 وأدلوا بأصواتهم لشخص آخر غير كامالا هاريس في عام 2024 قالوا إن إنهاء عنف إسرائيل في غزة كان القضية الرئيسية التي تؤثر على خياراتهم الانتخابية.

إدارة ترامب وضغوط أكبر على «نتنياهو»
هل أحدث انتخاب ترامب فرقًا في التعامل الإسرائيلي بحرب غزة؟
من الواضح أن جو بايدن لم يكن مستعدًا أبدًا لاستخدام النفوذ اللازم أو الجهود الدبلوماسية اللازمة لإنهاء الحرب أو بلورة اتفاق في غزة، ونقلت تقارير من صحف إسرائيلية عن مصادر متعددة تُشير إلى أن انتخاب دونالد ترامب أحدث فرقًا كبيرًا، وأن مسؤولي إدارة ترامب الجدد مارسوا ضغوطًا أكبر على نتنياهو للتوصل إلى اتفاق مقارنة بما كان عليه الحال خلال إدارة بايدن، وقد حدث كل هذا بعد الانتخابات، بغض النظر عن ذلك، كان نجاح الصفقة مشروطًا باستمرار وقف إطلاق النار بعد المرحلة الأولى، بينما إسرائيل تُقصّر دائمًا في الوفاء بالتزاماتها في الاتفاق، حيث منعت دخول المساعدات، وقطعت الكهرباء والماء، ثم إعلانها رسميًا عن انتهاء وقف إطلاق النار، وسقوط مئات المدنيين في ليلة واحدة، أشعر بالقلق على ملايين الفلسطينيين المُعرّضين لخطر داهم.
ما تعليقك على تعامل إدارة دونالد ترامب مع تطورات الأوضاع في المنطقة حتى الآن؟
في حين أن وقف إطلاق النار ونهاية القصف المتواصل والعشوائي كانا بمثابة ارتياح مُرحّب به للفلسطينيين في غزة، فإن خطابه الداعي إلى التطهير العرقي في غزة، ودعمه المستمر للاحتلال الإسرائيلي وضم المزيد من الضفة الغربية، ومنحه تصريحًا طارئًا بإرسال أسلحة أمريكية بمليارات الدولارات للجيش الإسرائيلي، أمرٌ مُقلق للغاية، في الواقع، يُقوّض دونالد ترامب فرص تحقيق سلام دائم، ويتجلى ذلك جليًا في الخطوات الواضحة التي اتخذتها إسرائيل لتقويض وقف إطلاق النار.
الجيل الجديد.. والقضية الفلسطينية
هل بدأ الجيل الجديد في الولايات المتحدة يفهم القضية الفلسطينية؟ وما هي نظرتهم إلى إسرائيل؟
نعم، لقد فهم هذا الجيل الشاب القضية الفلسطينية بوضوح كبير على نحو لم تفهمه الأجيال السابقة، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى سهولة الوصول إلى المعلومات ذات الصلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقد أظهر استطلاعٌ للرأي أجراه معهد هارفارد للسياسة في مارس الماضي أن أكثر من ثلاثة أرباع الأمريكيين دون سن الثلاثين لا يوافقون على سياسته تجاه حرب إسرائيل على غزة، وقد زاد توثيق آثار سياستنا الخارجية آنيًا من أهمية هذه القضايا لدى شريحة واسعة من الناخبين، وخاصةً من تقل أعمارهم عن 30 عامًا، ومع نمو هذه الدائرة الانتخابية، يجب على السياسيين مواجهة هذا الأمر وجهًا لوجه وإصلاح مواقفهم إذا أرادوا الفوز في الانتخابات، وللأسف، فإن الاستجابة التي شهدناها هي محاولة قمع المعلومات الهامة بدلًا من تغيير السياسات.
ماذا فعلت بعد استقالتك؟ أخبرني عما فعلته مع صديقك والمسؤول الأمريكي السابق جوش بول وكيف نجحتما في تغيير الرأي العام الأمريكي؟
كنتُ ثاني مسؤولٍ يستقيل علنًا احتجاجًا على سياسات الإدارة، وكان شريكي المؤسس وزميلي جوش بول في مؤسسة «سياسة جديدة» هو الأول، نعلم أن الرأي العام في جميع أنحاء الولايات المتحدة قد شهد تحولًا جذريًا، ولكن للأسف، لم يُترجم هذا التحول في الرأي العام إلى تغيير في السياسة الأمريكية بعد، وهنا يأتي دور «سياسة جديدة».، ونحن نبني حركة، مؤسسة للأمريكيين لفتح صفحة جديدة في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، نعتقد أننا قادرون على تحقيق ذلك من خلال مواءمة سياستنا الخارجية مع القيم الأمريكية المتمثلة في الحرية والعدالة والمساواة في الحقوق، ونعمل على معالجة الواقع السياسي الراهن، ونفعل ذلك من خلال بناء صورة مميزة لملايين الأمريكيين بغض النظر عن هوياتهم السياسية أو العرقية أو الدينية.
ترامب.. ووزارة التعليم
ما تعليقك على سعي ترامب لإلغاء وزارة التعليم؟
لا يمكن للرئيس إلغاء وكالة فيدرالية مُفوضة من الكونجرس، ومجرد إعلانه عن نيته إلغائها، لا يمكنه القيام بذلك قانونيًا، لا أعتقد أن دونالد ترامب يهتم بوجود الوزارة من عدمه، ولكن هناك الكثيرون داخل الحزب الجمهوري لا يريدون أن يروا جميع الأمريكيين يتمتعون بفرص متساوية للحصول على تعليم جيد، وهذا ليس محزنًا فحسب، بل سيئًا في نهاية المطاف لأمريكا.
ما هي النتائج التي ستترتب على إلغاء وزارة التعليم؟
تقوم وزارة التعليم بأمور عديدة لا يمكنها ببساطة التغاضي عنها، سواءً بمنح الولايات أو المدارس أموالًا، ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد، فهناك رقابة شديدة، وأمن شديد، وخصوصية الطلاب وبياناتهم ومعلوماتهم التي تتحمل الوزارة مسؤوليتها وتلتزم بحمايتها، وعندما تُقصى الجهات التي تقوم بهذا العمل اليومي والتي تلتزم بالبرنامج لضمان التزام المدارس بالقواعد وحماية طلابها وتوفير فرص تعليمية متساوية، فإن ذلك يخلق وضعًا خطيرًا للغاية، حيث لا تُصرف الأموال في مكانها الصحيح ويُسيء الناس استخدامها.
تقول الإدارة الأمريكية إن إلغاء وزارة التعليم يهدف إلى تقليل الإنفاق الفيدرالي.. كيف تعلق؟
وزارة التعليم هي أصغر وكالة وزارية، بها ما يزيد قليلاً عن 4200 موظف قبل بضعة أشهر فقط، وهي ليست مؤسسة متضخمة فهي تعمل من أجل الشعب الأمريكي وبعض من أكثر فئاتنا ضعفًا، طلابنا، والطلاب من ذوي الإعاقة، وطلابنا الدوليين الذين جاؤوا هنا للدراسة والتعلم، ليكونوا قادرين على المساهمة في المجتمع، وخدمة مجتمعاتهم، ومن المروع أن نرى أن إدارة ترامب لا تقدر أيًا من ذلك، والحقيقة هي أنهم لا يقدرون التعليم، إنهم يقدرون ما يمكنهم استخدامه لوزارة التعليم، وهو تحويلها إلى آلة دعاية، وأداة سياسية لتكون قادرة على ترسيخ سلطة دونالد ترامب.
برأيك.. ما هو تأثير تخفيضات ترامب على وزارة التعليم؟
التخفيضات غير القانونية التي اقترحتها إدارة ترامب سيكون لها آثار كارثية على الطلاب، ولكن دون اتخاذ الكونجرس إجراءات، لن تتمكن الوكالات الأخرى من تولي العمل لوزارة التعليم.