ناصر عبدالرحمن يكتب: الشخصية المصرية (22).. التحليل ومنطق التبرير
ناصر عبدالرحمن يكتب: الشخصية المصرية (22).. التحليل ومنطق التبرير
فى الشخصية المصرية فطرة عجيبة فى إيجاد التبرير.. تستطيع الشخصية المصرية تبرير كل شىء، تبرر الصح وتثبته وتبرر الخطأ بالمنطق، يجد التبرير المصرى منذ ولادته، التبرير أول ما تعى الشخصية المصرية، منطق التبرير فى الشخصية المصرية جانب معقد جداً، ليس بسيطاً أو يحوى تخيلاً لتمرير خطأ، إن التبرير فينا كالهواء للحياة، نستطيع تبرير كل شىء حتى لا نواجه أنفسنا، نهرب من المواجهة وندفن رؤوسنا فى الرمل، نعتم على الشمس وندَّعى على الماء بالسراب، نصنع عصافير الإلهاء كما نزقزق حتى لا نسمع الطيور، نسخر حتى نهرب من ضعفنا، نتلوَّن حتى نغازل الأبيض فينا، نهدم الرموز حتى نلوم الشفرة، منطق التبرير قديم فى الشخصية المصرية قِدَم تاريخنا، قُتل أوزيريس أمامنا فلم نحاكم شقيقه، وتركنا إيزيس تبحث عن بقاياه، وقُتل أخناتون لأنه أعلن توحيده فلم ننقذه، ولكن خبأناه خلف قناع من الذهب.
حكمت كليوبترا وهى ليست مصرية، وأحبت أمام عيوننا ولم نفعل سوى الاحتفال بأنطونيو المحتل العاشق، برَّرنا سجن سيدنا يوسف، كما برَّرنا قتل الحلاج، برَّرنا الاحتلال التركى وقلنا عليه «خلافة»، كما برَّرنا أفعال الوهابية وتغيير هويتنا الوسطية، وقلنا عليهم «علماء» لعلنا نهتدى، برَّرنا الاحتلال الإنجليزى ومنحناه الاقتصاد وقناة السويس، برَّرنا سرقة الآثار على يد كارتر وقلنا عليه «مكتشف»، بررنا ضرب أبوالهول بالمدافع وقلنا على الفرنسى القاتل الذى سحق الأزهر بالأحذية وضرب أبوالهول بالمدافع «نور الثقافة الأوروبية»، سرقوا المسلات والآثار وحرقوا البردى بكل العلوم التى فيه وقلنا علمونا، حرقوا المخطوطات والصور، وكتب المستشرق خطوطاً ملفقة، ورسموا المصريين بعيون زرقاء وشعور صفراء، جنَّسوا الأبطال لندفع تذاكر البطولات.
نحن شخصيات تبرر كل شىء، لكن الشخصية المصرية غير مبررة، منطق التبرير يغيِّب التحقيق ويشيح بالمنطق، يرقص بإيقاع ويتلصص بخبث، يربك بعضه ويمزق بعضه وينكر بعضه ويغيب، منطق التبرير فى كل تاريخنا ناصع ظاهر، وفى كل شق ومكان عتمته تفرق وتؤثر وتؤكد، نحن شخصيات منطقها التبرير، شاهدنا محمد نجيب وهو رئيس للجمهورية، وحملناه على الأكتاف بتبرير، وأحببناه بتبرير حتى خلعه جمال عبدالناصر فنسجنا التبرير وصنعنا من زعامته عرشاً لا تهزه الهزائم، وبرَّرنا له الخطايا وغفرنا له، برَّرنا للسادات اتفاقه وبرَّرنا استشهاده، كنا قوميين وبرَّرنا الخصام القومى، وكنا اشتراكيين فبرَّرنا اللون الواحد، وعندما هربت الاشتراكية عندما شاهدنا خيانتها، برَّرنا الاشتراكية الثقافية وجنبناها تيار الرأسمال، ولما رقصت الرأسمالية على قبورنا وحطام عظامنا، برَّرنا الجوع وبرَّرنا الجفاف وبرَّرنا انقطاع المطر.
لما جمَّلنا النيل برَّرنا الهجرة والانتحار، واعتبرنا البحيرات منزوعة الزريعة لأننا نزرع ورد النيل، علَّمتنا الأغانى التبرير أكثر من التأثير، علَّمنا الأدب أننا نتعرى بتبرير، علَّمتنا السينما رحلة البطل والصعود، وبرَّرنا عدم البطولة، نغيب فى الموالد بتبرير الوجد، ونغيب من البيوت بتبرير أكل العيش، برَّرنا الفقر بالرضا، وبرَّرنا الجهل بالزهد، برَّرنا المحرمات والذنوب والخطايا بالتحليل، يصلى ويرتشى بالتحليل، تخون بيتها بتبرير، حللنا كل شىء وبرَّرناه، تركنا أولادنا فى الشوارع لقِصَر اليد، هجرنا بعضنا وتركنا بيوتنا وزوجاتنا بتبرير، المدرس دون علم والتبرير حاضر، والطباخ بغير طعم بالتبرير، والولد يطرد أباه، والبنت تتهرَّب من أمها، والطريق بلا إشارات، والعلم دون سند، تأكل والطعام حامض بالتبرير.
أصبحنا أمة التبرير، وكلمة «علشان»، و«لأن»، و«من أجل»، و«للضرورة»، و«اعذرنا»، و«معلش»، و«مابقاش»، و«حِمَقى»، و«بعد شوية»، و«روَّق»، المهم الشهادة، المهم نشتغل أى شغلانة، المهم نسافر، المهم محدش ياخد باله، المهم انت، اللى فات كله تبرير، إذا طوَّل الخطيب له تبرير، وإذا قصَّر الخطيب له تبرير، ما بقتش شايف، التبرير يلغى الإحساس ويقتل الصدق، للتبرير حراس وأبواب ومفاتيح وممرات وقيود، يبحث التبرير عن ألوانه، ويغفل ويتجاهل ويتنصَّل من أعداء التبرير، فكما للتبرير مصالح بالملايين، فللصدق والصراحة والمواجهة أعوان «كم من فئة قليلة».. الصراع داخل الشخصية المصرية محتدم بين التبرير وبين المواجهة، بين الحوار وبين الفصل، بين الركام وبين الأمل، التبرير كارت مرور وقتى، التبرير سلامة وقتية تعانى منها الشخصية المصرية. اللهم فاشهد.