ناصر عبدالرحمن يكتب: الشخصية المصرية (21).. الشخصية الاستثنائية

كتب: أحمد فكري

ناصر عبدالرحمن يكتب: الشخصية المصرية (21).. الشخصية الاستثنائية

ناصر عبدالرحمن يكتب: الشخصية المصرية (21).. الشخصية الاستثنائية

استثنائية لأنها تستطيع أن تجذب أى مكان وزمان وتنسبه إليها، هى هكذا تصنع من تفاصيلها عالمها المصرى فى بلاد الغربة لأن الشخصية المصرية هى الأرض فلها نسبة من كل أرض، ولأنها الأرض ولأنها الكون ولأنها الأم ولأنها الأصل ولأنها حجر الأساس ولأنها الثمرة ولأنها السر، فهى تنبت فى كل أرض، تفاصيلها من جذور تسبح فى بحور الدنيا، الكون مشكاة مصر، فكل لون فى الدنيا أصله مصرى، إذا جاعت جاعت الأرض، وإذا خافت ضاع الأمان، تنشر ملامحها بطريقتين: الأولى بالجذب: وقت فجر الدولة، كانت مصر لها شخصية، وشخصية مصر من شخصية أهلها، ملامح الوطن من ملامح المصرى.

الشخصية المصرية عاشت آلاف السنين قبل الميلاد وقبل التاريخ لأنها هى الكاتب على حجر التاريخ، لأنها نقشت أول تاريخ متحضر إنسانى، لأنها السر، حتى ولو قالوا إن هناك ما وراء الطبيعة، أو هناك كائنات فضائية، كلها أقوال حسد وغيرة، لأنها مصر فى الأرض والهواء والنقوش والتاريخ، ينجذب إليها الصالح، كما ينجذب إليها الطالح، انجذب العالم للعيش فى مصر، انجذاب للعيش بين المصريين، يتعلمون من الشخصية المصرية، يتعلمون الجمال من المرأة المصرية الزينة والتجميل والعطر، تنجذب الشخصيات فى العالم إلى علم وتحضُّر الشخصية المصرية، المصرى أول جندى دافع عن أرضه، منذ الدولة القديمة والمصرى جندى قوى، حارب مع رمسيس ومع أحمس، كما حارب مع صلاح الدين وقطز، كما حارب الاحتلال التركى مع إبراهيم باشا، وحارب فى الحرب العالمية الأولى والثانية، كما حارب فى فلسطين وحارب فى الاستنزاف، حارب فى أكتوبر.

الشخصية المصرية تلوِّن الشخصيات بلونها، الإيطالى تعلَّم من الشخصية المصرية، حتى فى عائلات المافيا كان أصلها شخصيات لعائلات من جنوب مصر عاشت فى صقلية، استثناء الشخصية المصرية يظهر ويخفت، يظهر فى قدرته على الإبهار بسبب التكيُّف، كما قال عنها سليمان باشا الفرنساوى، الجندى المصرى لم يدخل حرباً إلا كان فيها استثنائياً، مع رمسيس حارب إثيوبيا لرد الاعتداء على منبع النيل، وحارب مع إبراهيم باشا لرد الاعتداء الإثيوبى على منابع النيل، وترك كتيبة من الجندى المصرى الاستثنائى الذى يحارب عن مصدر حياته، وركب الطائرة وضرب نواة سد إثيوبيا أيام السادات.

الجندى المصرى شخصية استثنائية، حارب الصهاينة فى فلسطين، وحاربهم فى الاستنزاف، فظهرت شخصيات استثنائية، منهم إبراهيم الرفاعى، وحارب فى أكتوبر وانتصر بالعلم والخدعة والقتال بالعقيدة المصرية الاستثنائية «اتخذوا فيها جنداً كثيفاً»، الجندى شخصية مصرية استثنائية، وسميرة موسى استثنائية، ويحيى المشد شخصية استثنائية، وسيد درويش وبديع خيرى، وإبراهيم الوردانى شخصية استثنائية، الذى قتل العميل الإنجليزى الذى تآمر على المصريين وحكم عليهم بالشنق فى حادثة دنشواى كما أنه تآمر مع الإنجليز لمد استغلال قناة السويس سنوات أخرى، وظهرت عمالته ضد المصريين فتولى عنهم إبراهيم الوردانى الذى تعلَّم القانون فى لندن فنفَّذ حُكم المصريين على الجاسوس المتآمر وقتله فخرجت القلوب تدق صيحات الحب والإشادة بالبطل الاستثنائى، وتغنَّى الناس ليلة محاكمته «قولوا لعين الشمس ماتحماشى.. لحسن حبيب القلب صابح ماشى».

كذلك «سليمان خاطر».. شخصية استثنائية نفَّذ حكم الشعب على العدوين.. الجندى محمد صلاح شخصية استثنائية، رد فعله استثنائى، من مميزات الشخصية المصرية الاستثنائية أنها شخصيات متنوعة، تفاجئ العالم وتخترق الطابور، العالم طابور مليارى الخلق، تسير فى الطابور، نفس الصف، بغضِّ النظر عن اللون أو التحضُّر أو الطبقة الاجتماعية أو اللغة التى يتحدث بها طابور بشرى طوله أكثر من ثمانية مليارات شخص، منهم أول الصف ومنهم يعانى نهاية الطابور، لكن هناك أشخاص لا يسيرون داخل صفوف الأنماط، يخرجون بشكل استثنائى، منهم القديسة فيرينا المصرية، القديسة فيرينا التى علَّمت سويسرا وأوروبا النظافة، علَّمتهم كيف يُطهر الشخص نفسه، كيف يتحمَّم، كيف يغسل أسنانه، وكيف يحرص على استخدام العطور، وكيف تمشط المرأة شعرها، القديسة فيرينا شخصية استثنائية.

كذلك العالمة الشابة إلهام فضالى، بنت بنى سويف، التى نبغت فى الهندسة الإلكترونية ثم نبغت فى الفيزياء، واستطاعت إثبات أن للأجهزة الإلكترونية فيزياء الإلكترونية، والكثير والكثير من الشخصيات الاستثنائية المصرية، مثل دكتور جمال حمدان صاحب الفضل على الجغرافيا الإنسانية الذى ألَّف أكثر من مائة كتاب فى شخصية مصر الجغرافية، كذلك دكتور عبدالوهاب المسيرى، والكثير من الشخصيات المصرية التى أثرت على الدنيا وفرضت شخصيتها على شخصيات العالم.

لنأتِ إلى ثانياً، وهى الغربة، وتأثير الغربة على الشخصية المصرية، تفاجأ أنك أمام شخصية لا قانون لها، شخصية المصرى فى الغربة شخصية متلونة ليس لها خطوط واضحة وليست مستقيمة إلى حد ما، إنها متلونة حسب لون القارة والبلد واللغة والتعامل، لن تستطيع إلا أن تتعامل مع المصرى فى الغربة على حسب البلد التى يعمل داخلها، المصرى فى الخليج غير المصرى فى أفريقيا، غير المصرى فى ولاية غنية فى أمريكا، غير المصرى فى ولاية أمريكية فقيرة، غير المصرى فى أوروبا، المصرى فى الغربة الذى يعمل أعمالاً فقيرة غير المصرى فى الغربة الذى يعمل أعمالاً مهنية، شكل المصرى يختلف، علاقاته بأولاد بلده تختلف، لدرجة أن سمعة المصرى مُركَّبة، فيها الكثير من مناطق السلبية، المصرى فى الغربة مثل الماء والبلد التى تغرَّب فيها مثل الكوب، يتغير لون الشخصية المصرية حسب طبيعة شخصية البلد، لذلك تجده يخسر الكثير من ملامح شخصيته الاستثنائية ويصبح بملامح عادية يغلب عليها التساهل والفهلوة وكتالوج التفصيل وسكته سيبها تعدى، والنظرة إلى الاستمرار بالمرار أحسن من الرجوع بلا انتصار.

كتالوج الشخصية المصرية فى الغربة شديد الجنوح نحو المواءمة، شديد الحرص على ثمن الغربة، فى الغربة لا تتوقع من الشخصية المصرية الإفصاح أو التمرد أو الاعتراض أو الرفض أو الإنصاف، إنه يسافر إلى العمل والهجرة، وهو فى كأس بلا لون ولا تفاصيل، حتى تعود له ثقة الانتماء ليعود إلى طبيعته، المصرى فى الغربة وحيد، يخاف أن يعيده الخطأ إلى خسارة غربته، حرص الشخصية المصرية على السفر والعمل فى الخارج تجعله محبطاً لا تزيده أيام غربته غير المزيد من ملامح شخصية، أصبح المصرى غير شغوف بالاستثنائية، هذا الخوف يزيد الشخصية المصرية تعقيداً، تجعله يعمل فى الخليج فى أى مهنة، فى المعمار، فى النقاشة، فى السواقة، فى رصف الطرقات، فى المطابخ، فى تنظيف المواعين، فى أى عمل، وسلاحه الفهلوة.

إننا فى معظم الأحوال عبارة عن أكثر من مائة وجه متناقض للمصرى فى غربته، والسبب الأساسى فى سقوط الكثير من مناطق القوة وملامح التميز فى الشخصية المصرية الاستثنائية أن الشخصية المصرية يقتلها عدم الأمان والحاجة إلى الرعاية لأنها شخصية مجبولة على الحب لأنها محبوبة، وهذا ما سنتكلم عنه فى الملمح الجديد من ملامح الشخصية المصرية.. اللهم فاشهد.


مواضيع متعلقة