سحر الجعارة تكتب: قاموس «ثكلتك أمك»
سحر الجعارة تكتب: قاموس «ثكلتك أمك»
تخيل أن الزلزال الذى ضرب جزيرة كريت اليونانية، صباح الأربعاء، وفق ما أعلنه مركز أبحاث علوم الأرض الألمانى، وكان بقوة 6.3 درجة على مقياس ريختر، وشعر معه سكان مصر بارتجاج أرضى «هزة أرضية» نحو الساعة 10:53 بتوقيت جرينتش، دون أن تسجّل أى أضرار.. تخيل لو كانت مصر قد تعرّضت له، والعشوائيات لا تزال على حالها وسكان المناطق الخطرة فى عششهم وفقرهم ومستوى من المعيشة غير آدمى.. ولم تتولّ حكومة 30 يونيو نقلهم إلى مناطق سكنية حضارية آمنة! هل تتخيل الأعداد الرهيبة من المنازل التى كانت «آيلة للسقوط» على رؤوس ساكنيها، وكم من الأرواح البريئة كانت مرشحة للإصابة أو الوفاة؟!
للأسف لم يتذكر أحد هذا «الفرق الشاسع» بين ظروف زلزال أكتوبر 1992 وزلزال مايو الحالى.. فكيف تنصف الحكومة وتنتصر للأسمنت الذى حوّل الرمال إلى بيوت سكنية لها أسقف وجدران كفيلة بحماية «حياة المواطنين»: هذا هو الأسفلت والأسمنت الذى لعنه البعض ألف مرة، وفى هذه اللحظة تجلّت قوة «البنية التحتية» فلم تنفجر ماسورة غاز طبيعى ولا انقطعت الكهرباء لنتخبّط فى الظلام.. وظلت الهواتف وشبكات المحمول تعمل بكامل طاقتها (وكنت على اتصال بأهلى والاطمئنان عليهم لحظة بلحظة).
لم يتذكر واحد أن يقول «شكراً يا ريس» أو أحسنتِ يا حكومة.. لأننا نُدمن الشكوى ونحترف دروشة الكوارث الطبيعية!
عندما ضرب الزلزال مصر فى أكتوبر 1992، سقطت معظم المبانى القديمة، وتحولت الأنقاض إلى مدافن للفقراء، وتصدّعت بعض البنايات الجديدة بسبب الفساد والغش فى مواد البناء، فخرجت علينا الأصوات السلفية تحذّرنا وترهبنا، لأن (الزلزال عقاب من الله)، ولم يفسّر لنا أحد: ما الذنب الذى اقترفه فقراء مصر، ممن باتوا أياماً وليالى فى العراء، وعاشوا فى مخيمات، وتسولوا الخبز والماء.. ليعاقبهم الله؟!
هذه الآراء الشاذة المخيفة تذكّرنى دائماً بخطيب مسجد «عالم الغزال» بشرق مدينة مرسى مطروح، الذى قال قبل سنوات كثيرة فى خطبة الجمعة: إن الله هو الذى رفع الأسعار وليس الدولار أو الحكومة، وأرجع السبب فى ذلك إلى أن (الله يريدنا أن نعود إليه بعد زيادة ذنوبنا والشر بيننا).
وأضاف خطيب المسجد أنه (ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا تم رفعه إلا بتوبة)، طيب يا مولانا نتوب عن إيه؟.. لك السمع والطاعة.. قال لك: (توبوا إلى الله، أيها المسلمون، وتوقفوا عن متابعة المسلسلات الهندية التى أفسدت علينا أولادنا وبناتنا فى البيوت)!
وكلما وقعت كارثة طبيعية «بركان، فيضان، زلزال.. إلخ» خرجت علينا أصوات تُنذرنا وتُحذّرنا وتنهرنا بزعم أنه «غضب من الله»!. «تسونامى اليابان» أو حرائق «الأمازون وهى رئة العالم» هى عقاب من الله للغرب الكافر الذى لا يطبّق حدود الله ويسمح بزواج المثليين، وكأنها ليست بلداناً وهبت البشرية العلم والتقدّم التكنولوجى وعباقرة الطب وعلوم الفضاء، واكتشفوا الكثير من الأدوية لعلاجات مستعصية كادت تقضى على دول «العالم الثالث».
هذا التبرير المعادى للبشرية، الذى يُلخص علاقة الإنسان بربه فى «الثعبان الأقرع وعذاب القبر»، لا يتذكر وربما يجهل «آيات الرحمة والغفران على أكثرها فى القرآن الكريم»: قال الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ» (النساء: 48).
وقال أيضاً فى كتابة العزيز: «قُلْ يَا عِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (الزمر: 53).. لكنه قدرنا أن نعيش فى فتاوى الترهيب والتغليظ والتهديد ممن يخفون «رحمة ربنا» عن عباده المتعبين!
ومر الزلزال بلطف من الله وخطوات رشيدة تم إنجازها خلال الفترة الماضية.. ولا نريد منكم شكراً ولا اعترافاً بالحقيقة، لكننا أيضاً نرفض رفع عصاكم الغليظة فى وجوهنا، وذلك الوجه المتجهم، والخطاب الذى يبدأ بـ«ثكلتك أمك» بدلاً من «الله لطيف بعباده».