جيل الشاشات مهدد بكسر الفقرات العنقية.. متعة إدمان الدوبامين قد تنتهي بمأساة
جيل الشاشات مهدد بكسر الفقرات العنقية.. متعة إدمان الدوبامين قد تنتهي بمأساة
مقطع قصير جذاب يأخذ العين، على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم يتبعه فيديو آخر يأخذك إلى عالم آخر غير الذي تعيشه، فيغير «مودك»، ويخرجك من الحالة النفسية التي تعيشها إلى سعادة مؤقتة تنشأ عن تنشيط دائرة المكافاة في الدماغ، والتي تحدث في غضون ثوانٍ معدودة، في ظاهرة تعرف باسم «إدمان الدوبامين»، وهو ما يدفع الفرد إلى تكرار السلوك (مشاهدة الريلز مرة أخرى) للحصول على الشعور ذاته مرارًا وتكرارًا، في سعي دائم لرؤية المزيد من المحفزات، ويستمر أسيرًا في هذه الدائرة حتى تدمر قدرته على الانتباه وتسبب له تشوهًا في الرقبة، فكيف يحدث ذلك؟
مخاطر إدمان الدوبامين
تطور محتوى الفيديو الرقمي ليواكب هذه الآلية، إذ تقل مدة المقاطع بشكل ملحوظ، وبرزت مقاطع «الريلز» القصيرة التي لا تتجاوز 30 ثانية، والتي تتناول مواضيع مشتتة ومتنوعة، إذ تقول الدكتورة صفاء حمودة أستاذ مساعد الطب النفسي واستشاري أول الطب النفسي وعلاج الإدمان بكلية الطب جامعة الأزهر، إنّ هذا النوع من المحتوى يؤدي إلى اتساع حدقة العين وتثبيت البصر لبضع ثوانٍ على الفيديو، والذي ترصده كاميرا الهاتف، ما يدفع خوارزميات المنصات إلى ترشيح المزيد من المحتوى المشابه وعرضه بجودة عالية وألوان جذابة وموسيقى مؤثرة، وينتج عن هذا التعرض المتكرر شعور بالاستمتاع، ولكنه يؤدي في المقابل إلى تقصير مدى الانتباه، إذ يدرب الدماغ على التركيز لفترات زمنية قصيرة جدًا.
وتقول استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان في حديثها لـ«الوطن» إنّ هذا النمط من الاستهلاك الرقمي يؤدي أيضًا إلى فقدان الاهتمام بالتعليم والقدرة على التعلم بعمق، كما يتسبب في الشعور بالقلق والتوتر، ويؤثر سلبًا على مستوى القراءة ومدى الانتباه أثناءها، بحيث يصبح الفرد غير قادر على قراءة النصوص الطويلة أو الاستماع إليها بتركيز، ويقتصر اهتمامه على المحتوى السريع والقصير الذي يمكن تصفحه بسرعة.

ويتجلى الإدمان أيضًا في رفض التخلي عن الهاتف المحمول، والسؤال المستمر عنه عند عدم وجوده، ومحاولة التحايل المستمر للحصول عليه، سواء بالبحث عن مكان إخفائه أو بادعاء إنجاز المهام الدراسية للحصول عليه كمكافأة، أو حتى التضحية بأمور مهمة في سبيل بقاء الهاتف في متناوله.
ولمواجهة هذه المشكلة، تنصح الدكتورة صفاء حمودة أنّه من الضروري تحديد وقت معين لاستخدام الهاتف المحمول ومنع الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي بشكل غير منظم، وعند السماح بمشاهدة مقاطع الفيديو، يجب أن يكون ذلك ضمن وقت محدد، مثل نصف ساعة أو ساعة خلال اليوم، وبالمقابل، يجب تشجيع الأطفال والمراهقين على القراءة وممارسة الرياضة والتفاعل مع الأقران والأصدقاء والمشاركة في الأنشطة البدنية واكتساب مهارات جديدة والتدرب على أنشطة متنوعة وإشغال أوقاتهم بها.
أما الدكتور علاء الغندور استشاري العلاج النفسي السلوكي والتحليل والتأهيل النفسي، فيقول إنّ الكبار أيضًا ليسو بمنأى عن إدمان الدوبامين وتأثيره السلبي على الصحة النفسي والحياة الاجتماعية، خاصة الذين يتعرضون أيضًا للشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي بشكل أكثر من اللازم، لذا أصبح من الضروري وضع روتين يومي يتضمن نشاطًا بدنيًا بعيدًا عن الإفراط في استخدام الهاتف، وعند التواجد مع العائلة في المنزل، يجب إغلاق الهاتف المحمول لإتاحة مساحة للتفاعل الحقيقي، وهو ما يؤثر بشكل إيجابي على القدرات الذهنية وزيادة التركيز وتحسين نوعية النوم والأداء الوظيفي، بدلًا من البقاء متلقيًا سلبيًا لمقاطع فيديو قصيرة، بالإضافة إلى ذلك، يُنصح بتناول طعام صحي لدعم وظائف الدماغ والجسم بشكل عام.
الإفراط في استخدام الهواتف الذكية والشاشات
ولم يقتصر الأمر عند مجرد التأثير بشكل سلبي على الصحة النفسية وضعف الانتباه والتركيز، بل اتمد الأمر ليشمل تأثر الجسم سلبًا نتيجة الإفراط في استخدام الشاشات والهواتف الذكية، إذ نشرت صحيفة «ديلي ستار» البريطانية، واقعة طبية نادرة ومؤثرة، لشاب يبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًا، عانى من تشوه حاد في منطقة الرقبة، وذلك نتيجة للإفراط المفرط في استخدام الهاتف الذكي، وقد أدت هذه العادة إلى إصابته بما يُعرف بـ «متلازمة الرأس المتدلي»، وهي حالة طبية خطيرة تتسبب في ضعف شديد في عضلات الرقبة، يصل إلى درجة عجز المريض عن رفع رأسه أو حتى القيام بعمليتي تناول الطعام والبلع بشكل طبيعي.

وقد بدأت علامات هذه الحالة المرضية في الظهور تدريجيًا بعد أن قضى الشاب فترات مطولة من العزلة داخل غرفته، منكبًا على استخدام هاتفه المحمول لساعات متواصلة وهو يتخذ وضعية جسدية غير طبيعية، وقد أدى هذا السلوك إلى حدوث تشوهات واضحة في فقرات رقبته، تجلت في صورة انتفاخ غير طبيعي في الجزء الخلفي من العنق.

وكشفت الفحوصات الطبية اللاحقة عن أنّ فقرات الرقبة قد انحنت بشكل مفرط عن وضعها الطبيعي، وأنها أصيبت بتشوهات هيكلية واضحة، وقد تبين أن السبب الرئيسي وراء هذه المضاعفات الصحية هو الاستخدام المستمر وغير الصحي للهاتف المحمول على مدى فترات طويلة، وأظهرت نتائج الأشعة وجود اعوجاجات وتشوهات واضحة في فقرات الرقبة لدى الشاب، بالإضافة إلى تكوّن أنسجة ليفية تشبه الندوب على امتداد العمود الفقري العنقي، وحاول الأطباء في البداية معالجة الحالة باستخدام دعامة طبية للرقبة، إلا أن المريض اشتكى من شعوره بتنميل في الرأس أثناء ارتدائها، مما استدعى الفريق الطبي إلى إيقاف استخدام الدعامة واللجوء إلى الخيار الجراحي.
وتضمن العلاج سلسلة من العمليات الجراحية الدقيقة، إذ أزال الجراحون أجزاء صغيرة من الفقرات المتضررة والتخلص من بعض الأنسجة الليفية المتراكمة، ثم جرى زرع قضبان معدنية ومسامير داخل العمود الفقري للرقبة بهدف تصحيح الانحناء الحاصل ودعم استعادة الوضع الطبيعي للرأس، وبعد مرور ستة أشهر على الجراحة، أظهرت فحوصات المتابعة الطبية أن الشاب قد استعاد القدرة على رفع رأسه بشكل طبيعي تمامًا، كما لم تظهر عليه مجددًا أي من الأعراض السابقة، مثل صعوبة البلع أو تدلي الرأس، حتى بعد مرور عام كامل على إجراء العملية الجراحية.

وقد أشار الأطباء المعالجون إلى أن حالة سقوط الرقبة التي عانى منها الشاب قد تكون ناتجة عن مزيج من عوامل متعددة، بما في ذلك الجلوس لفترات طويلة في وضعية جسدية غير صحيحة أثناء استخدام الهاتف الذكي، وشدد الفريق الطبي على الأهمية القصوى لرفع مستوى الوعي بين الجمهور حول مخاطر الاستخدام المفرط للهواتف الذكية، خاصة مع الانتشار المتزايد لهذه السلوكيات بين الشباب والمراهقين.