د. أحمد يوسف أحمد: مصر اتخذت موقفا تاريخيا برفض التهجير القسري لسكان غزة.. وترامب أدرك أنه غير قادر على تطبيق نظرية «فرض الأمر الواقع»
د. أحمد يوسف أحمد: مصر اتخذت موقفا تاريخيا برفض التهجير القسري لسكان غزة.. وترامب أدرك أنه غير قادر على تطبيق نظرية «فرض الأمر الواقع»
قال الدكتور أحمد يوسف أحمد، أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، والمتخصص فى الشئون العربية والسياسة الخارجية المصرية، إن الموقف المصرى الذى وصفه بـ«التاريخى» برفض تهجير سكان غزة كان سبباً رئيسياً فى تغير السياسة الأمريكية تجاه تلك القضية، ورجوع الرئيس الأمريكى ترامب عن مطالباته باستقبال سكان القطاع فى مصر والأردن، مشيراً إلى أن اللحظة الراهنة تشهد خلافاً بين الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب والإدارة الإسرائيلية بقيادة نتنياهو، وإنه على العرب جميعاً استغلال هذه اللحظة.
الرئيس استطاع أن يعيد بوصلة السياسة الخارجية المصرية لنموذجها الراسخ عبر التاريخ بعد فترة الإخوان العصيبة واستقلال القرار الوطنى المصرى أهم مكاسب عهد السيسى
وأضاف، فى حواره لـ«الوطن»، أن مصر تعمل فى سياستها الخارجية وفق مبدأ «الاتزان الاستراتيجى»، وتحرص على تنويع علاقاتها ومصالحها، مشدداً على أن توازن القرار الوطنى المصرى واستقلاله أهم مكاسب عهد الرئيس السيسى، خاصة بعد فترة صعبة جداً عاشتها مصر فى أعوام 2011 و2012 و2013.
■ البعض يتحدث عن أزمة أمريكية - إسرائيلية، قد تكون الأولى من نوعها.. ما حقيقة ذلك فى رأيك؟
- يجب أن نعلم أولاً أن الدعم الأمريكى لإسرائيل هو النموذج العام الثابت فى السياسات الأمريكية، لكن هناك تصرفات لترامب الذى كان فى ولايته الأولى وبدايات ولايته الثانية معبراً عن تلك السياسات الأمريكية الثابتة الداعمة لإسرائيل، بل إنه كان يتطرف فى التعبير عن هذا الدعم أحياناً، وخاصة مع بداية ولايته الثانية، ونذكر هنا تهديداته بالجحيم الذى قد تعيشه فلسطين، وطرحه لمبادرة التهجير القسرى لسكان غزة إلى خارج أراضيهم، ومحاولات الضغط على مصر والأردن لقبول تلك الرؤية، ولكن نتيجة للموقف المصرى، وهو موقف تاريخى فى رفض التهجير، فشلت تلك المحاولات.
ترامب طرح نفسه كرجل قادر على حل كل الصراعات فى العالم، والوصول إلى تسويات بين الأطراف المتنازعة، ومع تطرف إسرائيل فى سياساتها وارتكاب جرائم حرب دولية، وأمام ردود الفعل العالمية والعربية، وكذلك الموقف المصرى التاريخى، بدأنا نشهد تمايزاً، وربما اختلافاً، بين السياسة الأمريكية والسياسة الإسرائيلية لأول مرة، وهذا أمر استثنائى.
■ ما أوجه ومؤشرات هذا الاختلاف بين أمريكا وإسرائيل؟
- المسألة بدأت بمؤشرات متواضعة، ولكن أخذت فى التزايد. المسألة بدأت بالاتصالات المباشرة بين إدارة ترامب وبين «حماس»، وإسرائيل تمكنت من إجهاضها مؤقتاً، ولكن اتضح أن الاتصالات تم إحياؤها واستمرت مؤخراً لدرجة أننا نشهد الآن اتفاقاً بين حماس والإدارة الأمريكية من وراء ظهر إسرائيل. وكأن المبعوث الأمريكى ستيف ويتكوف ذاهب إلى إسرائيل كى يبلغها بالاتفاق، وأن حماس عبَّرت عن حُسن نية بتلك الخطوة بالإفراج عن الجندى الإسرائيلى الأمريكى، وطبعاً فى مقابل هذا أكيد ستحصل على ميزات معينة.
هذا هو المؤشر الأول، الاتصال المباشر بين إدارة ترامب وحماس. أما المؤشر الثانى الذى لا يقل أهمية فهو افتراق ترامب عن نهج إسرائيل فى التعامل مع البرنامج النووى الإيرانى بدخوله فى مفاوضات مع إيران حول هذا البرنامج، ومعروف أن نتنياهو لا يرى للحل العسكرى بديلاً فى الملف العسكرى الإيرانى. وحتى الآن المفاوضات مستمرة بين إدارة ترامب وقد تنجح، وأعتقد إن إيران لو ذكية تعمل على إنجاحها.
أما المؤشر الثالث فهو الخلاف الإسرائيلى الأمريكى بشأن سوريا. لأن ترامب نصح نتنياهو بأن ينسق مع تركيا فى سوريا، وألا يبالغ فى مطالبه. والمؤشر الرابع، وهو مؤشر شديد الأهمية، يتمثل فى الاتفاق الثنائى مع الحوثيين على وقف إطلاق النار بينهما فقط، بمعنى أن الاتفاق لا يمنع الحوثيين من مهاجمة إسرائيل، وهذا اتفاق آخر أجرته أمريكا من وراء ظهر إسرائيل.
■ ما دلالة تلك المؤشرات؟
- هذه المؤشرات تعطينا دلالة للتفكير على أن الولايات المتحدة مع ترامب قد تأخذ مساراً مختلفاً عن مسار إسرائيل، قد تبتعد قليلاً أو كثيراً عن الرؤى الإسرائيلية المطروحة. وقد تكون الولايات المتحدة أكثر ميلاً إلى تسوية عامة فى الشرق الأوسط، وهذه التسوية ليست بالضرورة وفق رؤية إسرائيل، بل قد تكون متصادمة أو مختلفة مع الموقف الإسرائيلى، وهذا تغير استراتيجى كبير على العرب جميعاً أن يدركوه.
■ هل نستطيع النظر إلى القمة الخليجية الأمريكية باعتبارها خطوة نحو تسوية عامة فى الشرق الأوسط؟
- زيارة ترامب للخليج قد ترتبط بحديث أمريكى عن تسوية قادمة قد تُغضب إسرائيل، خاصة فى ظل علاقات استثمارية واقتصادية كبرى بين الولايات المتحدة ودول الخليج.
■ هل تعتقد أن أمريكا قادرة على الضغط على إسرائيل فى الوقت الحالى من أجل تسوية شاملة ووقف دائم لإطلاق النار؟
- إذا توافرت الإرادة السياسية داخل الإدارة الأمريكية، فإن أمريكا قادرة على ذلك بلا شك، وإسرائيل تؤمَر فتطيع، وترامب رجل اقتصاد بالأساس، وليس رجل حرب، ولا يفكر إلا فى الدولار الأمريكى والاستثمارات الأمريكية. ولعلك تلاحظ أن نتنياهو فى منتهى الحذر لأنه يعلم جيداً أنه لو لفظ بكلمة واحدة خاطئة فى حق ترامب فسوف يُنسف نسفاً. فأمريكا قادرة بلا شك، بشرط أن يكون ترامب مقتنعاً بالأساس بأهمية تلك التسوية وما ستفتح له الباب من فرص استثمارية أوسع من الفرص التى تتاح حالياً وسط هذه الحروب والصراعات التى يعيشها الإقليم.
■ وصفته بأنه رجل اقتصاد وليس رجل حرب.. ففى رأيك ماذا يريد ترامب على وجه التحديد؟
- فى الحقيقة أنا لا أستطيع أن أتحدث عن رؤية شاملة لترامب، أو استراتيجيات سياسية يمكن قراءته من خلالها، لكنه إنسان يتصرف وفقاً لمزاجه الشخصى إلى حد كبير، ودون الرجوع لمؤسساته فى كثير من المواقف، مثلاً هو تحدَّث صراحة عن ضرورة تهجير سكان غزة إلى مصر والأردن، ثم تراجع. تحدَّث عن الجحيم الذى سوف تعيشه «حماس»، ثم عقد اتفاقاً معها. وبالتالى ينتقل من الشىء إلى نقيضه، فلا أستطيع أن أتحدث عن رؤية شاملة لترامب، ولكن دعنى أقول إن الفضل الأساسى فى هذا التغير هو صمود الموقف الفلسطينى أمام كل الجرائم الإسرائيلية التى ارتكبها نتنياهو، إلى جانب الدور المصرى التاريخى المساند للقضية والرافض للتهجير.
ترامب «رجل اقتصاد» وليس «رجل حرب».. و«واشنطن» تستطيع الضغط على «تل أبيب» من أجل تسوية شاملة فى الشرق الأوسط
■ وسط تلك التغيرات، هل تتوقع أن ترامب قد يدفع فى لحظة ما إلى حل الدولتين ويعترف بفلسطين، لتسوية شاملة للصراع؟
- كل شىء مع ترامب وارد، صحيح أن خطوة اعتراف أمريكا بدولة فلسطين وحل الدولتين صعبة جداً، لكن كل شىء وارد على مسرح السياسة الدولية فى الوقت الحالى، ونتنياهو قال إنه لا مجال للحديث عن حل الدولتين، وهذه التصريحات جاءت ليست رداً على الموقف المصرى أو العربى، لكن رداً على بعض التحليلات والتوقعات التى تحدثت عن إمكانية اعتراف ترامب بدولة فلسطينية. طبعاً هذه خطوة صعبة، وأعتقد أن أمامها عقبات كثيرة، وإذا حدثت سوف تكون لحظة القطيعة بين أمريكا و«إسرائيل-نتنياهو»، لأن نتنياهو لن يقبل هذا، لكن هناك إسرائيل أخرى لديها شىء من الاعتدال وقد تقبل هذا الحل.
أتوقع خروج «نتنياهو» من الحكم قريباً وذهابه إلى «قمامة التاريخ».. ومن الوارد اعتراف «ترامب» بفلسطين والموافقة على حل الدولتين
■ ما توقعك لمصير نتنياهو فى إسرائيل حالياً؟
- أسوأ مصير إن شاء الله. الأمور تتجه فى اتجاه إجبار إسرائيل على بعض التنازلات التى قد تكون جزئية لكن لا تحتملها «إسرائيل-نتنياهو» الموجودة حالياً. وأنا أتوقع أن يخرج نتنياهو من الحكم قريباً، ويذهب إلى قمامة التاريخ.
■ وصفت إسرائيل سابقاً بأنها «نموذج للاستعمار الاستيطانى العنصرى».. هل تجلى هذا المفهوم مع سياسات نتنياهو الحالية؟
- أنا أرى أنه لا شك أن إسرائيل تمثل نموذجاً للاستعمار الاستيطانى العنصرى، كما كانت الحال فى النظم العنصرية قديماً التى ارتكبت جرائم إبادة جماعية بحق شعوب وحضارات قديمة. مع فارق مهم، وهو أن تلك النظم كانت نظم أقلية بحيث بقيت الأغلبية للمواطنين الأصليين، أما الحالة الإسرائيلية فهى ذات طابع إحلالى واضح كما حدث فى نكبة 1948، تعتمد على عمليات تهجير قسرى والتغيير فى التركيبة الاجتماعية والسكانية. وتحاول نخبتها الحاكمة المتطرفة أن تكرر الآن هذا النموذج فى غزة والضفة، بدليل الأعمال الإجرامية الحالية التى تجرى هناك، وتصريحات الساسة المتطرفين عن تقليل عدد السكان الفلسطينيين، وتشجيع هجرتهم التى يسمونها بالطوعية، وهى تحدث -إن تمت- فى ظل مذابح وحشية تحت سمع العالم وبصره، ومع ذلك فلا يمكن أن يُستبعد تماماً احتمال حدوث تأثيرات سياسية داخلية ذات شأن فى إسرائيل، وهو ما بدأنا نعيشه الآن، هناك تحولات واسعة داخل إسرائيل وخارجها، وذلك لأن صمود الشعب الفلسطينى فى وجه الوحشية الإسرائيلية كان له آثار مهمة، تمثلت أولاً فى تداعيات مشكلة احتجاز الأسرى والرهائن على الرأى العام، وثانياً فى الخسائر البشرية والاقتصادية، وثالثاً فى تحولات الرأى العام الدولى فى دول حليفة وصديقة لإسرائيل، بما فى ذلك الولايات المتحدة كما ذكرنا، وعلى المستوى الداخلى الإسرائيلى، فقد تمثلت هذه الآثار فى حدوث تغيير فى توجهات الرأى العام الإسرائيلى، بحيث أصبحت غالبيته تؤيد وقف الحرب ضد رغبة نتنياهو الذى احتاج استمرارها لأطول وقت ممكن من أجل تأمين بقائه السياسى.
■ هل الجرائم الإسرائيلية ضد غزة أفقدت دولة الاحتلال تضامن الرأى العام الدولى معها، بل دفعت أمريكا إلى التراجع خطوة للوراء عن دعمها لإسرائيل؟
- بلا شك، فالجرائم الإسرائيلية باتت تنافى أى قانون دولى، ووصلت إلى حدِّ الإبادة الجماعية، وهذا أمر لا يمكن قبوله حتى لدى القوى العالمية المحايدة أو التى تقف أساساً بجانب إسرائيل، فتلك الجرائم جعلت من تأييد إسرائيل إشكالية حقيقية، بالإضافة إلى أن المسار الذى يسلكه نتنياهو يختلف عن المسار الذى يريده ترامب، الذى يريد أن يكون رجل سلام فى العالم، فيتدخل لوقف الحرب الروسية الأوكرانية، ثم يتدخل لوقف التصعيد الهندى الباكستانى، ولا يريد استمرار الحرب فى الشرق الأوسط، بل ووصف حرب غزة بأنها حرب وحشية.
■ قد يُفهم من كلام حضرتك أن أمريكا أصبحت تقف على الجانب الآخر من إسرائيل.. هل هذا حقيقى؟
- لا، يجب أن نفهم جميعاً أن الإطار العام للسياسة الأمريكية فى نهاية الأمر هو دعم إسرائيل والحفاظ على بقائها وأمنها. هذا ثابت لا يتغير فى السياسة الخارجية الأمريكية. ولكن هناك اختلافات فى وجهات النظر فى الوقت الراهن بين إدارة ترامب وبين نتنياهو، فعلينا أن نستثمر هذا الخلاف، حتى تسير الأمور إلى الاتجاه الذى يصب فى مصلحتنا كعرب، ولكن فى نفس الوقت علينا أن نتعامل بحذر شديد، وألا ننسى أن أمريكا فى النهاية يهمها إسرائيل.
■ هل ترى أن الموقف المصرى أيضاً كان نقطة تحول فى الرأى العام الدولى، والأمريكى على وجه الخصوص، خاصة مع الرفض القاطع والمتكرر لتهجير سكان غزة؟
- طبعاً بدون شك، أمريكا اعتادت أن تأمر فتُطاع، لكن لأول مرة وجدت نفسها تأمر ولا تُطاع فى قضية تهجير سكان غزة، والفضل فى هذا يرجع إلى الموقف المصرى بلا شك، الذى كرَّر مراراً وبشكل واضح ومباشر أن التهجير القسرى مرفوض، وأنه تصفية للقضية لا يمكن القبول به، وأنه لا يمكن القبول به على حساب مصر تحديداً. بالعكس مصر تقدمت بخطة بديلة لوقف العدوان وإعادة الإعمار، وحشدت حولها موقفاً عربياً.
■ كيف تابعت تصريحات ترامب بأنه يجب مرور السفن الأمريكية من قناتى السويس وبنما بدون رسوم؟
- هذه التصريحات جزء من شخصية ترامب، هو يتحدث فى أوقات كثيرة كرجل بزنس لا يشغله إلا حسابات المكسب والخسارة، وكثيراً ما يتراجع عن تصريحاته مرة أخرى، لأنها لا تعبر عن سياسة واضحة أو رأى مؤسسات. ومصر لم تكلف نفسها عناء الرد على تلك التصريحات، لأنها تعلم أن تلك التصريحات غير جادة، وأنه لا توجد قوة على الأرض تستطيع فرض كلمتها على مصر، لا الأمريكان ولا غيرهم بكل صراحة. والموقف المصرى من رفض التهجير فى نفس توقيت إعلان ترامب أن مصر والأردن سيستقبلان سكان غزة المهجَّرين أكبر دليل على ذلك. وأنا متأكد أن ترامب غير سعيد بموقف مصر طبعاً، لكن صلابة موقفنا المصرى والوطنى واستقلاليته هو ما يدفع ترامب وغير ترامب إلى الرجوع للوراء، فالرئيس الأمريكى أدرك أمام صلابة الموقف المصرى أنه غير قادر على تطبيق نظرية «فرض الأمر الواقع».
■ مصر حرصت على تنويع علاقاتها الخارجية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً خلال الأعوام الماضية.. هل أسهم ذلك فى تقوية الموقف المصرى على الساحة الإقليمية والدولية؟
- هذا واحد من أهم مكاسب «الخارجية المصرية» فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى، وهو الحرص على تنويع العلاقات مع القوى الكبرى، على وجه التحديد مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومع روسيا، ومع الصين أيضاً، ومع الاتحاد الأوروبى الذى وقعت معه مصر شراكة استراتيجية مهمة جداً. بالتأكيد أمريكا غير سعيدة بتلك العلاقات، وغير سعيدة بزيارات الرئيس المصرى إلى موسكو، وغير سعيدة بالتدريب العسكرى المصرى الصينى الذى جاء تحت اسم «نسور الحضارة» وهو اسم لافت فى الحقيقة وجيد. لكن الجميع يعلم أن القرار المصرى هو قرار مستقل وغير تابع ولا يمكن التأثير عليه أو توجيهه. وكل ذلك عزَّز الموقف المصرى بلا شك فى القضايا الإقليمية والدولية وجعل العالم يهتم بأن يستمع لكلمة مصر.
■ فى رأيك، لماذا تحرص مصر على هذا التنويع اللافت جداً فى علاقاتها الخارجية؟.. ما هى الرسالة من ذلك؟
- هناك مبدأ ثابت فى السياسة الخارجية المصرية يكرره الرئيس السيسى فى كل مناسبة، وهو مبدأ الاتزان الاستراتيجى، وأن تحدث زيارة موسكو، والتدريبات المصرية الصينية، فى توقيت متزامن مع الحوارات المصرية الأمريكية، فهذا تأكيد لا لبس فيه لهذا المبدأ ورسالة لكل من يعينه الأمر، أننا جادون فيما يعنيه الأمر، وليكن ما يكون.
■ وما المقصود بمبدأ «الاتزان الاستراتيجى»، كأستاذ للعلوم السياسية؟
- الاتزان الاستراتيجى يعنى ألا تحتكر علاقاتك الخارجية قوى كبرى بعينها، وإنما تقيم شبكة علاقات متوازنة مع الجميع، ونحن الآن علاقتنا بأمريكا جيدة، وعلاقتنا بروسيا والصين والاتحاد الأوروبى جيدة جداً، وحتى القوى الإقليمية التى فى طريقها أن تصبح قوى كبرى مثل الهند والبرازيل فعلاقتنا بها أيضاً جيدة جداً. هذا هو المقصود بمبدأ الاتزان الاستراتيجى، ومن مزايا هذا المبدأ أنه يعطيك خيارات مفتوحة وبدائل طوال الوقت. ومصر أصبحت تملك البدائل والخيارات على المستوى الإقليمى والدولى، وبالتالى لا يستطيع أحد التأثير على قرارها أبداً.
4 مؤشرات على وجود خلاف بين «أمريكا-ترامب» و«إسرائيل-نتنياهو» أبرزها تعامُل أمريكا دبلوماسياً مع البرنامج النووى الإيرانى والدخول فى مفاوضات مباشرة مع «حماس»
■ هل تطبيق هذا المبدأ الاستراتيجى المهم أسهم فى اتزان واستقلال القرار الوطنى المصرى وسط مشهد دولى شديد التعقيد والصراعات؟
- النموذج العام للسياسة الخارجية المصرية عبر الزمن هو الاتزان الاستراتيجى، وتم التعبير عنه بطرق مختلفة فى العهود المصرية المختلفة، فقبل ثورة يوليو تصدَّت مصر الوفدية لسياسة الأحلاف الغربية، ثم جاء عبدالناصر فحارب تلك الأحلاف وهزمها وكان من مؤسسى سياسة عدم الانحياز، وظل هذا المبدأ قائماً طيلة عصر عبدالناصر، ثم شهد عصر الرئيس السادات تقارباً كبيراً فى العلاقات المصرية الأمريكية، والحقيقة أن الرئيس مبارك بعد ذلك حاول أن يُحدث نوعاً من الاتزان فى تلك العلاقات، إلى أن جاءت أحداث 2011 ثم وصول الإخوان للحكم، وهنا حدثت هزة كبرى، لكن بعد ثورة يونيو 2013 استطاعت مصر أن تقف على قدميها من جديد، والحقيقة أن الرئيس السيسى استطاع أن يحقق مبدأ الاتزان الاستراتيجى على أكمل وجه، وأن يعيد بوصلة السياسة الخارجية المصرية لنموذجها الراسخ عبر التاريخ، وأنا أرى أن توازن القرار الوطنى المصرى واستقلاله أهم مكاسب عهد الرئيس السيسى، خاصة بعد فترة صعبة جداً عاشتها مصر فى أعوام 2011 و2012 و2013.
تحديات تواجه المنطقة
هناك تهديدات واضحة تواجه مفهوم الدولة الوطنية واستقرار مؤسساتها وسيادتها على أراضيها. هذا التهديد ليس وليد اليوم، لكننا رأيناه مع تنامى ظاهرة الإرهاب فى منطقة الشرق الأوسط عقب أحداث 2010 و2011، ثم صعود التيارات المتطرفة، ومع موجات الإرهاب والتطرف وسقوط بعض البلدان فى المنطقة، اتسع أيضاً نطاق الصراع فى الشرق الأوسط بسبب ممارسات إسرائيل العدوانية والاستيطانية تجاه الأراضى العربية، وهنا يجب أن نتذكر تحذير مصر من أن العدوان الإسرائيلى واستمراره يؤدى إلى اتساع دائرة الصراع فى المنطقة كلها. أعتقد أن تحدى الأمن وتسوية النزاعات ومواجهة الإرهاب هى أولوية قصوى، وكذلك قضايا التنمية المستدامة والشاملة. هذان مساران لا بد من المضى فيهما بشكل متوازٍ وسريع.