لغز الأيام العشرة المفقودة.. كيف كشف تقويم آيفون سرا عمره 500 عام؟
لغز الأيام العشرة المفقودة.. كيف كشف تقويم آيفون سرا عمره 500 عام؟
أثار اكتشاف غريب في تقويم هواتف آيفون دهشة مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، إذ لاحظوا اختفاء عشرة أيام كاملة من شهر أكتوبر في عام 1582، وقد لفت انتباه أحد مستخدمي هواتف آيفون الفضوليين هذا الخلل الملحوظ، إذ وجد أن التقويم يقفز بشكل مباشر من الرابع من أكتوبر إلى الخامس عشر من الشهر نفسه في ذلك العام البعيد.
سر 10 أيام مفقودة في التقويم
وانتشر هذا الاكتشاف كالنار في الهشيم على منصة X «تويتر سابقًا»، وحصد منشور المستخدم أكثر من 49 مليون مشاهدة، مصحوبًا بتساؤل بسيط ومثير للفضول: «ما الذي حدث في أكتوبر 1582؟»، وسرعان ما تدفق آلاف المستخدمين إلى قسم التعليقات للتعبير عن حيرتهم واستغرابهم من هذا الأمر الغامض، بحسب ما ذكرت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية.
وعبر أحد المعلقين عن دهشته بتساؤل وجودي قائلًا: «هل يعني هذا أننا جميعًا أكبر سنًا بعشرة أيام؟، بينما أضاف مستخدم آخر لهاتف آيفون بنبرة ساخرة: «لقد أبقونا متخلفين عن الركب لمدة 10 أيام، وفي سياق فكاهي، اقترح أحد المعلقين تفسيرًا طريفًا: «لقد تعرض شخص ما لحادث الأسبوع المقبل - حرفيًا».


ولكن المثير للدهشة أن هذا الاختفاء ليس ناتجًا عن أي عطل فني أو خطأ برمجي من شركة Apple، بل يحمل في طياته تفسيرًا تاريخيًا بسيطًا، إذ يكمن السبب الحقيقي وراء اختفاء الأيام العشرة من تقويم آيفون في جذور تاريخية أعمق بكثير، تعود بنا بالذاكرة إلى زمن يوليوس قيصر نفسه، ففي عام 45 قبل الميلاد، وقبيل اغتياله، قام يوليوس قيصر بتطبيق نظام زمني جديد عُرف باسم «التقويم اليولياني».
واستلهم هذا التقويم المستحدث من علماء الفلك المصريين، ليحل محل التقويم القمري القديم بنظام يعتمد على دوران الأرض حول الشمس، مع إدخال يوم إضافي كل أربع سنوات يُعرف باليوم الكبيس، وعلى الرغم من أن التقويم اليولياني كان يعتبر دقيقًا إلى حد كبير في عصره، إلا أنه لم يكن مثاليًا تمامًا، فقد احتسب التقويم اليولياني طول السنة بـ 365 يومًا وست ساعات، وهو ما يزيد بحوالي 11 دقيقة و14 ثانية عن المدة الفعلية التي تستغرقها الأرض لإكمال دورة كاملة حول الشمس، وقد يبدو هذا الفارق ضئيلًا، لكنه تراكمي بمرور الوقت، مما أدى إلى انحراف التاريخ بمقدار يوم واحد كل 314 عامًا.

وبحلول القرن الثامن الميلادي، بدأ علماء الدين المسيحي يلاحظون بالفعل أن التقويم أصبح تدريجيًا غير متزامن مع الفصول الطبيعية، وكان الشغل الشاغل للكنيسة بشكل خاص هو أنّ هذه الأخطاء المتراكمة أدت إلى صعوبة متزايدة في تحديد التاريخ الدقيق للاحتفال بعيد الفصح.
قصة التقويم الجريجوري
وفي عام 325 ميلاديًا، اتخذت الكنيسة قرارًا حاسمًا بتحديد موعد الاحتفال بعيد الفصح في أول يوم أحد يلي أول قمر مكتمل يعقب الاعتدال الربيعي، والذي كان يقع آنذاك في21 من شهر مارس، ومع مرور الوقت وتراكم الأخطاء في التقويم اليولياني، بدأ الاعتدال الربيعي ينزاح تدريجيًا عن تاريخ الحادي والعشرين من مارس.
ولمعالجة هذا التباين المتزايد، أصدر البابا جريجوري الثالث عشر مرسومًا بابويًا في شهر فبراير من عام 1582، يقضي بتطبيق تقويم جديد عُرف فيما بعد باسم التقويم الجريجوري، ولإعادة الاعتدال الربيعي إلى موقعه الصحيح في الحادي والعشرين من مارس، لجأت الكنيسة إلى حل جذري تمثل في حذف الأيام العشرة الواقعة بين الرابع والخامس عشر من شهر أكتوبر، وقد وقع الاختيار على شهر أكتوبر تحديدًا لإجراء هذا التغيير بهدف تجنب تخطي أي تواريخ ذات أهمية في التقويم الكنسي.
ونتيجة لهذا التعديل، انتقل الناس مباشرة من الاحتفال بعيد القديس فرانسيس الأسيزي في الرابع من أكتوبر عام 1582 إلى الاحتفال به في الخامس عشر من أكتوبر في صباح اليوم التالي، ونظرًا لتأخر الدول الأوروبية البروتستانتية والأرثوذكسية في تبني هذا التغيير، فقد كان السفر عبر الحدود في أوروبا يعني حرفيًا القفز ذهابًا وإيابًا لمدة عشرة أيام تقويمية على مدى قرون عديدة، ولم تعتمد الإمبراطورية البريطانية التقويم الجريجوري إلا في عام 1752، مما جعله في نهاية المطاف نظام التوقيت الافتراضي للتاريخ العالمي.
وأبدى عشاق التاريخ والمعرفة على منصات التواصل الاجتماعي استحسانهم ودهشتهم عندما لاحظوا أن تقويم هواتف آيفون لا يزال يحتفظ بآثار هذا الإصلاح التاريخي الذي يعود إلى حوالي خمسمائة عام، معتبرين ذلك بمثابة تذكير رقمي حي بحدث بالغ الأهمية في تاريخ ضبط الوقت.