صدام ماكرون مع جماعة الإخوان وتيارات الإسلام السياسي.. الكاتب عزت إبراهيم يكشف ماذا يحدث في فرنسا
صدام ماكرون مع جماعة الإخوان وتيارات الإسلام السياسي.. الكاتب عزت إبراهيم يكشف ماذا يحدث في فرنسا
أدركت فرنسا، برئاسة إيمانويل ماكرون، أخيرًا الخطر الذي تمثله جماعة الإخوان المسلمين على التماسك الوطني في الدولة، إذ حذر تقرير رسمي حديث اشتمل على 73 صفحة، من الخطر الذي يكمن في طبيعة المشروع الإخواني الذي يسعى لإحداث تغييرات تدريجية في القوانين والنظم، خصوصاً فيما يتعلق بالعلمانية والمساواة بين الجنسين، مشددًا على أن هذا التهديد ليس بالضرورة عنيفاً أو مباشراً، لكنه طويل الأمد ويؤثر بشكل تدريجي على نسيج المجتمع ومؤسسات الجمهورية، ما يضعه في خانة المخاطر التي تستوجب التدخل الفوري.
وأوضح الكاتب عزت إبراهيم، في تحليل له حسب معلومات منشورة في صحيفتي «لوموند» و«لوفيجارو» الفرنسيتيين أن التقرير أشار إلى أن انتشار الإسلام السياسي في فرنسا يحدث بشكل أساسي من القاعدة إلى القمة، وتكمن خطورة هذا النمط في قدرته على التسلل إلى الحياة اليومية للفرنسيين من خلال المؤسسات المحلية والجمعيات والمراكز الثقافية والدينية، ما يجعل المواجهة أكثر تعقيداً وتتطلب استجابة طويلة الأمد ومبنية على التمركز المحلي.
وأشار «إبراهيم» إلى أن الحكومة الفرنسية ترى أن الحضور الإخواني في فرنسا يتمتع ببنية تنظيمية قوية، لكنه لا يعبّر عن شكل من أشكال الانفصال العدائي أو العنيف، بل يعتمد على نهج ناعم وتدريجي يسعى إلى التأثير في المؤسسات العامة، ويُنظر إلى هذا النمط على أنه «انفصال ناعم» يحمل في طياته طابعاً تخريبياً يهدد قيم الجمهورية الفرنسية من الداخل دون إثارة ضجة خارجية.
التقرير كشف إلى وجود «أنظمة بيئية إسلامية» في بعض البلديات الفرنسية، تتنامى بشكل مقلق وتشكل شبكات متكاملة تروج لثقافة موازية تتعارض مع القيم الجمهورية، وتسهم هذه الشبكات في خلق نوع من العزلة الثقافية والاجتماعية، ما يقوّض التعايش المدني ويهدد التماسك الاجتماعي على المدى المتوسط.
توصية بمواجهة البلدية الإسلامية
وأوصى التقرير بضرورة تنفيذ حملات توعية عامة لمواجهة ما سمّاه «البلدية الإسلامية»، إلى جانب تقديم إشارات قوية ومباشرة للمجتمع المسلم في فرنسا تدعم فكرة الانتماء إلى الدولة العلمانية، مع أهمية تعزيز تعليم اللغة العربية كوسيلة للاندماج الإيجابي وليس الانعزال.
من جانبه، أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى خطورة ما ورد في التقرير، وطلب من الحكومة إعداد مقترحات جديدة للتعامل مع هذه الظاهرة، على أن تُعرض خلال اجتماع مقبل لمجلس الدفاع في أوائل يونيو، ما يعكس إدراكاً رسمياً على أعلى المستويات بخطورة التغلغل الإخواني في النسيج المدني المحلي.
الداخلية الفرنسية في حالة قلق
أما وزير الداخلية الفرنسي برونو ريتايو فقد أبدى قلقه من ما وصفه بـ«الإسلاموية المنخفضة الحدة»، مشيراً إلى أنها تسعى لتحويل المجتمع الفرنسي تدريجياً نحو تطبيق الشريعة. إلا أن التقرير فنّد هذا الادعاء، مؤكداً أنه لا توجد وثائق حديثة تثبت وجود نية واضحة لدى المسلمين في فرنسا لتأسيس دولة إسلامية أو فرض الشريعة.
وذكر التقرير أن تنظيم «مسلمو فرنسا» – الذي كان يعرف سابقاً باتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا – يُعد الفرع الوطني للإخوان المسلمين، وقد قدّر عدد أماكن العبادة المرتبطة بهذا التنظيم بـ139 مسجداً، بالإضافة إلى 68 مكاناً آخر قريب منه، ما يمثل 7 بالمئة من إجمالي المساجد في البلاد.
وكشف أن حركة الإخوان المسلمين فقدت جزءاً كبيراً من نفوذها في العالم العربي، وهو ما دفعها لتحويل تركيزها نحو أوروبا، خاصة فرنسا وألمانيا، ويرى معدو التقرير أن هذا التحول الجغرافي ينطوي على استراتيجية جديدة تهدف للتغلغل المجتمعي وليس الصدام المباشر.
المواجهة الفكرية
تحدث التقرير عن ضرورة الجمع بين المواجهة الفكرية والميدانية للإسلام السياسي وبين توفير بدائل مدنية تجذب الشباب المسلم. ويرى أن تعزيز الخطاب العلماني الإيجابي لا يجب أن يعني الإقصاء أو التهميش، بل يجب أن يترافق مع تقديم برامج تعليمية وثقافية تشجع على الانخراط في قيم الجمهورية.
وركز على أهمية البلديات كمراكز أولية لانتشار المشروع الإخواني، مشيراً إلى أن ضعف الرقابة على الجمعيات المحلية والمساجد يسمح للإسلاميين بتوسيع نفوذهم في المجتمعات المحلية، كما أن بعض البلديات تغض الطرف عن هذا النشاط لأسباب انتخابية أو خشية من ردود فعل اجتماعية.
زحف هادئ لتغيير نمط المجتمع
يرى التقرير أن الاستراتيجية الإخوانية تقوم على ما يُعرف بـ«الزحف الهادئ»، وهو أسلوب يهدف إلى إحداث تغيير بطيء وغير مباشر في المجتمع من خلال اختراق المؤسسات والفضاء العام دون اللجوء إلى العنف. وهذا ما يجعله أكثر صعوبة في الرصد والمواجهة.
من النقاط المثيرة أن التقرير لم يدعُ إلى حظر التنظيمات أو إغلاق المساجد، بل شدد على ضرورة بناء سياسة وقائية تعتمد على تعزيز دور الدولة في الرقابة والتوجيه والتأطير الثقافي. وهو ما يعكس توجهاً حكومياً يتجنب المقاربات الأمنية البحتة.
كما اعتبر التقرير أن التعليم وخاصة تعليم اللغة العربية ضمن مناهج وطنية مراقبة، يمثل أحد أهم أدوات المواجهة مع الخطاب الإخواني، فبدلاً من ترك هذا المجال للجمعيات الإسلامية غير الرسمية، يجب أن تستعيد الدولة زمام المبادرة لتقديم محتوى معرفي معتدل، مشيرًا وجود فجوة بين مؤسسات الدولة وبعض فئات المسلمين الفرنسيين، وهي فجوة استغلتها التنظيمات الإخوانية لملء الفراغ عبر تقديم خدمات اجتماعية وثقافية. لذلك، أوصى التقرير بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والجاليات المسلمة على أسس الانتماء والاحترام المتبادل.
وشدد على أن المشروع الإخواني لا يعادي الجمهورية بشكل مباشر، لكنه يسعى لتعديلها من الداخل من خلال نشر رؤى دينية محافظة قد تتعارض مع القيم العلمانية، ويُعد هذا النوع من التسلل الثقافي أكثر خطورة من الدعوات العنيفة لأنه يكتسب شرعية تدريجية، مشيرًا إلى وجود حاجة لتنسيق مؤسسي بين وزارات الداخلية، والتربية، والثقافة، إضافة إلى البلديات، من أجل مواجهة ظاهرة الإسلام السياسي بشكل متكامل. فالعمل المجزأ لن يكون فعالاً في مواجهة شبكة تعمل وفق رؤية طويلة المدى.
سبب توسع الإخوان في فرنسا
وتضمن التقرير إشارات إلى أن جزءاً من النجاح الإخواني في فرنسا يعود إلى الفشل في تقديم نموذج إسلامي جمهوري متصالح مع القيم الفرنسية، ولذلك، يدعو إلى دعم التيارات الإصلاحية داخل الإسلام الفرنسي وتعزيز وجود أئمة متنورين.
يشير التقرير إلى أن بعض الجمعيات التي تتبع فكر الإخوان المسلمين نجحت في تقديم نفسها كشركاء في العمل المدني، مستفيدة من ضعف التشريعات التي تضبط التمويل والمحتوى الديني. ويرى أن تعزيز الشفافية المالية والتربوية لتلك الجمعيات ضرورة وطنية.
الإسلام ليس موضع استهداف
وأكد معدو التقرير أن الإسلام كدين ليس موضع استهداف، بل المقصود هو التصدي لمشروع سياسي يستخدم الدين كغطاء، وهذا التمييز ضروري للحفاظ على العلاقة مع ملايين المسلمين المعتدلين الذين يعيشون في فرنسا ويؤمنون بالقيم الجمهورية.
تحذيرات مستمرة
وحذر التقرير من أن تجاهل هذه الظاهرة قد يؤدي إلى أزمة هوية وطنية على المدى البعيد، حيث يمكن أن يؤدي الانتشار الهادئ والمتراكم للإسلام السياسي إلى خلق مجتمعات موازية يصعب دمجها لاحقاً، لذلك يدعو إلى تدخل استباقي يجمع بين الحزم والاحتواء.
واختتم بالتأكيد أن المعركة ضد الإسلام السياسي ليست فقط أمنية أو قانونية، بل هي معركة فكرية وثقافية بالأساس، تستوجب تطوير أدوات الدولة الفكرية والثقافية لمواجهة التحديات التي تطرحها هذه الأيديولوجيات في سياق مجتمع ديمقراطي تعددي.