عائلة الحسيني: نكبة 1948 لم تستثنِ أحداً.. والاحتلال وضعنا على قائمة أهدافه رغم أننا من نخبة المدينة

كتب: محمد علي حسن

عائلة الحسيني: نكبة 1948 لم تستثنِ أحداً.. والاحتلال وضعنا على قائمة أهدافه رغم أننا من نخبة المدينة

عائلة الحسيني: نكبة 1948 لم تستثنِ أحداً.. والاحتلال وضعنا على قائمة أهدافه رغم أننا من نخبة المدينة

كتب: محمد علي حسن وماريان سعيد

الأحفاد يفتشون فى تاريخ «مفتى القدس»: ورثنا الإرادة والعزيمة من صون مفاتيح الكنيسة والمسجد

فى صفحات التاريخ الفلسطينى، لا يمكن أن تُروى حكاية النكبة دون أن تمر عبر بوابات القدس، ولا أن يُذكر اسم القدس دون اسم «الحسينى»، تلك العائلة التى امتزجت جذورها بتراب المدينة، وتداخلت سيرتها مع صعودها، وجرحها، وصمودها، وفى العام 1948، حين انقلبت الأرض تحت أقدام الفلسطينيين، كانت عائلة الحسينى فى مقدمة الصفوف المدافعة عن الأرض والكرامة، تحمل لواء القيادة، وتدفع الثمن الغالى من الأرواح والمكانة.

الحاج أمين الحسينى، مفتى القدس وزعيم الحركة الوطنية الفلسطينية، كان صوتاً مدوياً فى وجه المشروع الصهيونى، لم يكن الرجل مجرد قائد دينى، بل كان زعيماً سياسياً واجتماعياً حمل على كتفيه همّ الوطن، وجاب العالم بحثاً عن دعم لقضية فلسطين، ومع أنه واجه انتقادات وخلافات، فإن التاريخ يسجل له أنه كان أول المُحذّرين من الخطر الصهيونى، وأول من دفعوا باتجاه وحدة الصف الفلسطينى والعربى.

«الوطن» فتّشت فى ذاكرة أحفاد عائلة الحسينى، لسرد سيرة أبطال عائلتهم ورموزها، لعل أبرزهم الحاج أمين الحسينى الذى يعد أشهر من تولى منصب الإفتاء فى فلسطين، وكان فى الوقت ذاته رئيساً للمجلس الإسلامى الأعلى ورئيس العلماء، وظل يلعب دوراً مهماً فى الصراع العربى الإسرائيلى.

....

«اليوم وفى ذكرى مرور 77 عاماً على الاحتلال لأرض فلسطين، وأنا أتحدث هنا عن الاحتلال الإسرائيلى، فإن المقاومة الفلسطينية مرَّ عليها أكثر من 100 عام، والذى مهّد وسهّل للاحتلال الإسرائيلى هو الانتداب البريطانى، وعندما نتطرق للمقاومة والأسماء كثيرة جداً لا يمكن ألا نستحضر الحاج أمين الحسينى مفتى القدس، الذى كان له دور كبير جداً فى منح القضية حضوراً عالمياً، وأيضاً فى فضح الكيان الصهيونى والمخططات الصهيونية، ولا ننسى موسى كاظم الحسينى، رئيس بلدية القدس، الذى استُشهد بمظاهرة فى مدينة يافا»، قالها الدكتور كمال الحسينى الرئيس التنفيذى لمؤسسة سيدة الأرض لـ«الوطن».

وأضاف: «لا ننسى قائد القسطل، الشهيد عبدالقادر الحسينى ولا شك أن كل الفلسطينيين وكل المقدسيين فى حالة مقاومة، فى مواجهة هذا الاحتلال عن أراضينا فى فلسطين التاريخية، ولكل واحد من هؤلاء وصية واحدة لكل الفلسطينيين، وهى أننا صامدون وثابتون على هذا العهد»، وفقاً لحديث «الحسينى».

يرى «الحسينى» أن أفضل وأعظم ما قدمه الحاج أمين، هو الحرمان الدينى الذى وقّعه على كل من يبيع لليهود أرضاً أو بيتاً أو أى شىء، حيث كان قراره ممهداً لأن تكون فلسطين وقفاً أى أصبحت أراضى وقف إلى يوم الدين، وحينها حارب الحاج محمد أمين الحسينى ظاهرة بيع الأراضى للصهاينة أو السمسرة وأعلن أن الباعة والسماسرة خارجون عن الدين، ويمنع دفنهم فى مقابر المسلمين وعقد مؤتمراً خاصاً بذلك فى المسجد الأقصى، كما كوّن جمعيات لإصلاح ذات البين بين المسلمين ودعا إلى تشجيع الاقتصاد الوطنى ومقاومة الصهاينة اقتصادياً واشترى بأموال الوقف مساحات من الأراضى التى كانت مهددة بالتسرب للصهاينة، وجعلها وقفاً إسلامياً.

..

يشير الحفيد إلى أن الحاج أمين الحسينى كان داعماً قوياً للجهود السياسية لحل القضية الفلسطينية، ورافق نشاطه السرى قيامه بتشكيل خلايا عسكرية، كمقدمة لتأسيس «جيش الجهاد المقدس»، كما جرى اختياره رئيساً لـ«الهيئة العربية العليا لفلسطين»، فى أعقاب استشهاد عز الدين القسام عام 1935، ورفض بشكل قاطع، قرار تقسيم فلسطين بين العرب واليهود الذى جرى طرحه عام 1936، وتصدى له بقوة واختار الحرم القدسى الشريف مقراً له، وبالتالى لم تتمكن السلطات البريطانية من اعتقاله.

....

ويوضح أن المندوب السامى البريطانى أصدر قراراً بإقالة المفتى أمين الحسينى من منصبه، باعتباره طرفاً مباشراً ومسئولاً عن العمليات التى نفذت بحق الجنود البريطانيين، وعلى رأسها اغتيال حاكم اللواء الشمالى «أندروز»، ليصبح مطارداً، واضطر للتوجه إلى مدينة يافا، ثم عبر البحر إلى لبنان، إلا أنه باشر ممارسة نشاطاته السياسية، متنقلاً بين العديد من العواصم العربية والغربية، التى سعى بعضها إلى محاكمته كمجرم حرب وكأحد مؤيدى النازية.

يقول كمال الحسينى: «من المؤكد أن النكبة يوم فارق فى تاريخ الأمة العربية والإسلامية لذلك يجب أن تكون حاضرة فى كل الأذهان والمجالس لأننا فقدنا فلسطين فى عام النكبة، وتم تهجير 948 ألف نسمة، فى مخطط تطهير عرقى، وهدم 531 قرية مهجّرة، وهذا ما حصل، أتصور، من المجازر واحتلال إسرائيل، -هذه الدولة المزعومة- لفلسطين، وكان يوماً فارقاً، ومروراً بالنكسة، وسقوط القدس المدوى، وعندما سقطت المدينة المقدسة، التى تقبل الآخر وتراعى جميع الأديان، سقطت فلسطين، وهذه المدينة التى حافظنا عليها نحن المسلمون من العهد العمرى إلى الآن وهى أيقونة، وهى فى حالة تعددية عظيمة، عميقة، رائعة، وفى كل يوم نتذكر الحاج أمين الحسينى والآن نحن نمر بظروف استثنائية، ما بين النكسة والنكبة، والآن تطول الإبادة كل الفلسطينيين، وخصوصاً فى غزة، وما يتعرض له الشعب الفلسطينى عامةً، لم يتعرض له أى شعب فى التاريخ المعاصر، والآن نحن نتكلم عن 150 ألفاً ما بين شهيد وجريح، ونتكلم عن مدينة من الأيتام فى مدينة غزة».

..

ويضيف: «نتحدث الآن عن أن القضية الفلسطينية عامةً على مفترق طرق، فلذلك هذه الإبادة، وهذه المذبحة، وهذا الهولوكوست المشاهَد، أعتقد أنه هذا الفصل الأهم فى تاريخ القضية الفلسطينية، ولهذا يجب أن نتماسك، ويجب أن نكون أكثر فاعلية فى هذا الاتجاه، وأيضاً أن يكون الفكر المقاوم حاضراً أمام كل من يريد الإنسانية، فلسطين الآن تتعرض إلى نكبة، ونكبة متجددة، متجذّرة الآن، ولهذا يجب أن تكون هناك وقفة كبيرة جداً».

«أقول دوماً، نحن الآن فى هذا الفصل من التاريخ، لا أنصاف فيه للمواقف، ولا أنصاف فيه للرجال، فنحتاج وقفة كاملة، وقفة قوية جداً، وعلى كل العرب، على كل عربى، أن يدرك قيمة هذه الوقفة، وقيمة هذا النضال، وقيمة هذه المقاومة، وقيمة هؤلاء الذين يهبون أرواحهم، أطفالاً ونساءً وشيوخاً، وهذا دليل قاطع بأننا نحن هناك، باقون فى سيدة الأرض، فى فلسطين، لن نغادر، ولن نكون على الإطلاق كأننا عابرون مستحيل فى اللد والرملة والجليل، كما أن فكر المقاومة هو فكر يبدأ بالكلمة، ويبدأ بالتضامن من كل أحرار العالم، والمقاومة هى قصيدة، وهى لوحة، وهى طبيب، وهى فنان، وهى قوة ناعمة، وهى قوة على الأرض الواقعة وبالتالى كل أشكال المقاومة يجب أن تكون حاضرة، وتبدأ بالفكر طبعاً، ولا بد أن يكون هناك فكر ينير الطريق بهذا الاتجاه فى الوقت الذى أصبح فيه من يحب فلسطين كالقابض على الجمر»، بحسب الدكتور كمال الحسينى الرئيس التنفيذى لمؤسسة سيدة الأرض.

ويعد اللقاء الأكثر جدلاً فى سيرة الحاج أمين الحسينى، ذلك الذى عقده مع أدولف هتلر عام 1941، طرح فيه العديد من المطالب الداعية إلى الاعتراف بحق العرب فى إلغاء الوطن القومى اليهودى، وعدم الاعتراف بالوطن القومى اليهودى على أرض فلسطين. بدورها بحثت «الوطن» فى مذكرات مفتى القدس الحاج محمد أمين الحسينى، والتى نقلها عنه عبدالكريم العمر، أمين سر المكتب التنفيذى للهيئة العربية العليا لفلسطين، لاسيما فيما يتعلق بالزيارة التى جمعته بأدولف هتلر لمدة ساعة وخمس وثلاثين دقيقة، لم يتطرق خلالها كلا الطرفين إلى «الهولوكوست»، وهو تكذيب غير مباشر من مفتى القدس لرئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بعد 84 عاماً من الزيارة.

يقول «الحسينى» فى مذكراته: «كان لقائى بأدولف هتلر، فوهرر ألمانيا وزعيم الرايخ الثالث، فى الساعة الرابعة والنصف بعد ظهر يوم الجمعة 21 نوفمبر 1941م ولم أكن أتوقع أن يكون استقبالى فى دار المستشارية الشهيرة، استقبالاً رسمياً، بل كنت أتوقع مقابلة خاصة مع الفوهرر، ولكننى لم أكد أصل إلى الساحة الواسعة أمام دار المستشارية، وأترجل من السيارة أمام مدخل الدار الفخم، حتى فوجئت بعزف الموسيقى العسكرية، وبحرس شرف مؤلف من نحو مائتى جندى ألمانى، مصطفين فى الساحة، وطلب إلى مرافقى من رجال وزارة الخارجية أن أستعرض الحرس ففعلت، ثم دخلنا دار المستشارية، وسرنا فى أروقتها الطويلة الفخمة، إلى أن انتهينا إلى قاعة الاستقبال الكبرى، وكان هناك رئيس تشريفات رئاسة الدولة، فاستقبلنى، وبعد نحو دقيقة أدخلنى إلى غرفة الفوهرر الخاصة، واستقبلنى هتلر استقبالاً حاراً، بوجه طلق وعينين معبرتين، وبسرور ظاهر ودعانى إلى الجلوس تجاهه، وكان يحيط به عدد كبير من رجال حاشيته، وكان الدكتور شميدت يترجم لى حديثه إلى اللغة الفرنسية».

ويضيف «الحسينى» فى كتابه: «استهل هتلر حديثه مرحباً: سعيد لسلامتكم ولوجودكم فى بلاد المحور وتلقيت بسرور عظيم خبر نجاتك من أيدى عدونا المشترك وبعد تلك الرحلة الخطيرة من طهران إلى برلين، وقد كنت قلقاً عليك واعتبرت نجاتك نصراً وبشرى، وإنى مطلع على تاريخ حياتك ومقدر لكفاحك فى سبيل وطنك وأمتك ولقدومك لإبداء رغبة الأمة العربية فى التعاون معنا فى الكفاح ضد الأعداء المشتركين، كما أننى أقدر كل التقدير كفاح عرب فلسطين، ذلك الكفاح الشعبى العظيم الذى قاموا به ضد الإمبراطورية البريطانية واليهودية العالمية دون نصير، إلا إيمانهم بحقهم ودفاعاً عن وطنهم».

يتابع مفتى القدس حديثه عن الفوهرر: «ثم سكت هتلر ليفسح لى مجال الحديث، فشكرته على ترحيبه وشعوره الطيب وكلماته اللطيفة وعلى الحفاوة البالغة التى لقيتها منذ وصولى إلى برلين، ثم تطرقت إلى ذكر أواصر الود القديمة الوثيقة بين الأقطار الإسلامية والعربية منذ عهد السلطان عبدالحميد، وأن ألمانيا فى ماضى تاريخها لم يسبق لها أن اعتدت على أى قطر من الأقطار العربية أو الإسلامية، كما أنها اليوم تكافح أعداءنا المشتركين: اليهودية العالمية والدول الاستعمارية التى تضطهد العرب، وهذه أوثق رابطة تربطنا بكم، وهنا ذكرت له الآمال التى تعلقها الأقطار العربية للخلاص من الاستعمار والصهيونية وما تتطلبه وتسعى إليه من تحقيق مثلها العليا وما عاناه العرب من بغى الدول الاستعمارية، ولم تكتف بذلك بل منحت اليهود وعداً بإنشاء وطن قومى لهم فى فلسطين ليجعلوا منها مركزاً لمطامعهم ورأس جسر لزحفهم وتوسعهم ومحطة وثوب لهم على الأقطار العربية المجاورة، ثم بسطت له قضية فلسطين وجهاد شعبها العربى وتصميمه على إلغاء الوطن القومى اليهودى ومحو آثاره، وتطرقت إلى قضايا الأمة العربية من استقلال وسيادة ووحدة وطلبت عقد معاهدة رسمية صريحة بين العرب وألمانيا ودول المحور تشتمل على هذه المطالب الأساسية وإعلان تصريح رسمى بذلك فى الإذاعة لتطمئن الأمة العربية لمستقبلها وتقبل بهذه الطمأنينة على التعاون معكم».

ويتابع «الحسينى» فى مذكراته، أن «هتلر» كان حسن الاستماع، شديد الانتباه لحديثه وانتظره لحين الانتهاء من سرده ليرد: «إن خطط كفاحى واضحة، وهى أولاً أنى أكافح اليهود دون هوادة ويتوسع هذا الكفاح إلى مشروع (الوطن القومى اليهودى بفلسطين) لأن اليهود إنما يريدون أن يؤسسوا دولة مركزية لأجل مقاصدهم التدميرية، ونشاطهم الهدام إزاء دول العالم وشعوبه، ومن الواضح أن اليهود لم يقوموا بعمل إنشائى فى فلسطين، فإن ادعاءهم هذا كذب وأن كل الأعمال الإنشائية التى أقيمت فى فلسطين، يرجع فضلها إلى العرب لا إلى اليهود، إننى مصمم على أن أجد حلاً للمشكلة اليهودية، خطوة خطوة، ودون انقطاع وسأوجه الدعوة اللازمة إلى جميع البلاد الأوروبية ثم إلى البلاد التى هى خارج أوروبا فى هذا الشأن ومهمتى الأساسية ورسالتى الأولى فى الحياة هى تصفية قضية اليهودية العالمية فإن اليهودية العالمية بمنظماتها الواسعة ونيتها السيئة نحو العالم تشكل خطراً هائلاً يهدد الإنسانية جمعاء، أليس من الغريب أن يتعاون الخصمان المتناقضان فى المبادئ والأهداف، أقصى اليمين (أمريكا) مع أقصى اليسار (روسيا)؟ والخلاصة أننى أريد أن أصرح لكم بما يأتى: عندما نصبح فى جنوبى القوقاز، يكون قد حان وقت تحرير العرب، وفى إمكانكم أن تعتمدوا على كلمتى هذه».

..

ويختتم مفتى القدس مذكراته عن لقاء هتلر: «كان يتكلم بقوة وحماسة مع رزانة، وكان فى حديثه واضح النبرات فصيح الألفاظ ويشدد على مخارج بعض الكلمات كما يفعل القارئ أو الخطيب العربى عند لفظه حروف القلقلة، وحينئذ يدنو من محدثه متجهاً إليه محدقاً بعينيه، محركاً يديه وعضلات وجهه فيشعر المستمع له أنه يعبر عما يعتقده من صميم قلبه، واستمرت مقابلتى لهتلر ساعة وخمساً وثلاثين دقيقة، فلما ودّعته وخرجت كان يساورنى القلق لأنه لا يرى إصدار تصريح وقطع عهد رسمى للعرب فى الظروف الحاضرة خشية أن يحدث ذلك رد فعل فى بعض الأقطار الأخرى، التى لا تريد ألمانيا إثارتها الآن، بينما كنا فى حاجة إلى ما يطمئن الأمة العربية ويحفزها إلى التعاون مع هذه الجبهة، لذلك لم أشعر بالارتياح إلى هذه النقطة من حديثه، وإن كنت مطمئناً إلى خطته الأساسية من حيث تصميمه على الكفاح المستمر ضد الصهيونية العالمية كبعض من عرفنا من ساسة الإنجليز الذين كانوا يتظاهرون فى حب الأمة العربية أو أية أمة يريدون اصطيادها، بل كان صريحاً فى خطبه السياسية وأحاديثه الخاصة بأنه لا يهمه إلا ما فى صالح الرايخ الألمانى، وأنه لا يحب ولا يبغض ولا يبالى بشىء إلا فى سبيل الشعب الألمانى، فهو لا يرى فى هذا الموقف أن يستجيب إلى مطالبنا بإعلان تصريح وقطع عهد رسمى لأن ذلك ضار بصالح الشعب الألمانى».

فرد آخر من العائلة وهو أديب جودة الحسينى، يقول إن الحاج أمين الحسينى لم يكن وحده مستهدفاً من العصابات الصهيونية، بل كانت العائلة كلها مستهدفة، قُتل عبدالقادر الحسينى، القائد الفدائى الكبير، فى معركة القسطل فى نيسان 1948، قبل أسابيع فقط من النكبة، واستشهاده لم يكن مجرد خسارة شخصية لعائلته، بل كان زلزالاً ضرب الوجدان الفلسطينى، إذ كان يُنظر إليه كرمز للمقاومة الحديثة والتنظيم العسكرى الفلسطينى.

يضيف «جودة»: «نكبة 1948 لم تستثنِ أحداً، الكثير من أفراد عائلة الحسينى، رغم أنهم كانوا من نخبة المدينة، وجدوا أنفسهم لاجئين، شأنهم شأن مئات الآلاف من أبناء شعبهم، هُجّروا من بيوتهم فى أحياء القدس الغربية، كحى الطالبية والبقعة والقطمون، وسكنوا فى أحياء الضيق والوجع فى القدس الشرقية، أو فى الشتات، لكن ما ميّز هذه العائلة أنها لم تنكسر، استمرت فى حمل القضية، فى العمل العام، فى الدفاع عن الأوقاف، فى صون الهوية، وفى رواية القصة كما كانت، لا كما أرادها المحتل».

«حتى اليوم، لا يزال أبناء عائلة الحسينى -مثل الكثير من العائلات المقدسية- يتوارثون الألم، لكنهم يتوارثون أيضاً الإرادة. من صون مفاتيح الكنيسة والمسجد، إلى الحضور السياسى والثقافى فى الساحة، بقى الاسم رمزاً لماضٍ مجيد، ونضال مستمر، وأمل لا ينكسر، النكبة كانت جرحاً عميقاً، لكن المقاومة كانت الجواب، وعائلة الحسينى، بكل وجعها، كانت من الأوائل الذين خطّوا هذا الجواب بدمهم وصمودهم»، وفقاً لـ«أديب جودة الحسينى».

ولن نجد أطيب لختام حديثنا عن «مفتى القدس» من عهد وميثاق الحاج أمين الحسينى، مفتى القدس وفلسطين الأسبق، الذى يلخص فيه رحلته النضالية وتوثيقه لنكبة فلسطين، فى كلمات رغم عددها القليل إلا أنها عبرت عن حقب عديدة مرت بها القضية الفلسطينية التى كان شاهداً عليها ومؤثراً فيها ومتأثراً بها: «لقد قضيت عمرى كله فى خدمة قضية هذه البلاد المقدسة، وكنت خلالها عرضة لمختلف وسائل الإغراء والترغيب حيناً، والتهديد والإرهاب أحياناً، وفى سبيل خيرها وصالح شعبها العربى تحملت مضطراً عناء السير فى الدروب الشاقة الوعرة، كما تحملت شقاء الحياة فى أشد الظروف خطراً ورهبة وحملت وإخوانى المجاهدين أمانة هذه القضية بكل ما انطوت عليه ضمائرنا من صدق وإخلاص وروح فداء، وليس خلقى ولا إمكانى أن أفرط فى هذه الأمانة وأسلمها للذين يريدون أن يضيعوها ويبيعوها رخيصة للأعداء، ولا أن أتنكر لتلك الصفوة المختارة من الشهداء الأبرار الذين جادوا بأرواحهم الطاهرة وأراقوا دماءهم الزكية على أرض فلسطين المقدسة، ولن أختم حياتى بخيانة هذه الأمة فى قضيتها الوطنية رغم كل ما أتوقعه، وما لمست بوادره من مؤامرات ومكائد يحيكها الأعداء والعملاء، لى ولإخوانى الصابرين المخلصين، والله خير الشاهدين، وهو حسبنا ونعم الوكيل».


مواضيع متعلقة