في تجارب الكتابة (4)
استمعت فى رحلتى مع الكتابة إلى من يرى أنه من الأفضل أن ينشر أعماله السابقة، كما هى، من دون أدنى إضافة، مع الإشارة إلى زمن نشرها وسياقه، حتى يقيّمها الناس فى سياقها، بلا ظلم ولا إظلام. وإذا أراد أحد المغرضين أن يستخدمها للقدح فى الكاتب أو الباحث فسيجد من يردّه إلى جادة الصواب ويقول له:
هذا يُحسب له ولا يُحسب عليه.
وبعض الأدباء والكتاب والباحثين والعلماء والمفكرين والفلاسفة تخلوا عن كتاباتهم الأولى، إذ وجدوا أن نشرها قد لا يضيف إليهم شيئاً، بل يمكن أن يتحول من إضافة إلى نقص، ومن مزية إلى عبء. وذلك لأنهم قاسوا ما كانوا عليه بما ارتقوه، فوجدوا أن الأول يأخذ من الثانى، أو يظهر أن النّضج الذى بلغوه لم يحدث بين عشية وضحاها، إنما هو من لحظات الذروة فى التمكن والعطاء، والتى أتت بعد عناء وتجريب وتجويد.
والبعض يُخفى أعماله الأولى، لأنها قد تحمل موقفاً أو اتجاهاً يختلف عن الذى يقف عليه فى لحظة الذروة.
وهناك من رفض إعادة طباعة أعماله الأولى، وتنصل منها، مثلما تخلى سيد قطب عن الكتب والأشعار والرواية التى كتبها وقت أن كان شاعراً وناقداً أدبياً وعنوانها «أشواك»، بل تخلى عن كتب المرحلة الثانية التى شهدت أعماله الإسلامية المعتدلة مثل «التصوير الفنى فى القرآن» و«الإسلام والعدالة الاجتماعية»، وقيل إنه فى أواخر حياته أمسك بكتابيه «معالم فى الطريق» و«فى ظلال القرآن»، وقال إن هذين هما ما يعبران عنى وليس غيرهما، أو هكذا زعم البعض ممن أرادوا حصر الرجل فقط فى المنتج الأيديولوجى الذى يخدم مسارهم.
وهناك كتب للأستاذ محمد حسنين هيكل أغفلها، ولم يُعد طباعتها، لأن ما فيها من مواقف كان مغايراً لموقفه الذى كان عليه وهو فى قمة التحقّق والمجد والشهرة، والذى ظل عليه. وقد سألت الرجل عنها فى لقاء معه، فقال:
- وجدتها خارج مسارى الذى تُرسّخه كتاباتى اللاحقة، فلم أتحمس لإعادة طباعتها.
وحين خرجت من عنده، وكان بصحبتى الخبير الاقتصادى المرموق عبدالخالق فاروق، سألنى عن رأيى فى ما سمعته من الأستاذ هيكل، فقلت له:
- لا يروق لى امتناع كاتب عن إعادة نشر أعماله الأولى، خصوصاً فى الأدب، هذا موقف سلبى، لأن القارئ له عقل يفهم، وذائقة تحس، وضمير يحكم، ويدرك أن ما يقرأه الآن لكاتب أو باحث معين هو ما خطته يده فى سنينه الأولى، وقد يحمد له أنه كافح وجاهد حتى أحدث هذه النقلة فى الأسلوب والأفكار، وقد يحمد له أيضاً أنه لم يتكبر ويزعم أنه قد وُلد مكتملاً، وأنه حريص على أن يضرب مثلاً وقدوة للأجيال الآنية واللاحقة على أن الكتابة تحتاج إلى تدريب مستمر، وأنها بقدر ما هى موهبة أو عطاء إلهى، ولا تخلو بالطبع من موروثات جينية، فهى مهارة يمكن صقلها بمزيد من القراءة والتجريب والتنقيح والتصويب.
وأستعيد هنا ما ذكرته من أننى فى مرحلة الدراسة الجامعية، كنت أكتب مقالات ذات طابع فلسفى وأدبى، متأثراً بطه حسين وتوفيق الحكيم وزكى نجيب محمود وعلى أدهم، ودونتها فى كشكول حتى امتلأ، لكن أحداً لم يكن بوسعه أن ينشر لمن لا اسم له فى عالم النشر والتوزيع، ولم أسعَ أنا إلى نشره، واعتبرته تجريباً، لم يذهب سُدى.
وبعد التخرّج كتبت كشكولاً آخر من القصص القصيرة، على التوازى مع قراءة نهمة لأعمال رواد الأدب العربى الحديث والمعاصر، وهذا سعيت إلى نشره، ودفعته إلى سلسلة «إشراقات أدبية»، كما ذكرت سابقاً، لكنه لم يُنشر، وضاع فى أضابير الهيئة المصرية العامة للكتاب.