جمال الكشكي يكتب: رسالة «السيسي» بتوقيع مصر
جمال الكشكي يكتب: رسالة «السيسي» بتوقيع مصر
«حتى لو نجحت إسرائيل فى التطبيع مع جميع الدول العربية، فإن السلام الدائم والشامل سيظل بعيد المنال ما لم تقم الدولة الفلسطينية».
بهذه العبارة الحاسمة التى أطلقها الرئيس عبدالفتاح السيسى من العاصمة العراقية بغداد، وضع مجدداً ملامح الموقف المصرى الراسخ تجاه القضية الفلسطينية، موقف لا تحكمه التحالفات الظرفية، ولا يتبدّل بوهم تسويات جزئية أو مكاسب آنية. وإنما تحكمه رؤية استراتيجية تعى أن الأمن فى الشرق الأوسط لا ينفصل عن العدالة، وأن مركز الثقل فى كل معادلاته سيظل يدور حول فلسطين، أرضاً وشعباً وحقاً مسلوباً.
منذ النكبة فى 1948 وحتى اللحظة الراهنة، لم تغب مصر عن فلسطين. سواء عبر جولات الحرب المباشرة أو اتفاقات السلام أو جهود المصالحة بين الفصائل أو مبادرات وقف إطلاق النار، بقيت مصر هى المعبِّر، والوسيط، والداعم، والشاهد على التحولات. فى مشهد الصراع العربى - الإسرائيلى، كثير من الأطراف مرت، تراجعت أو غابت، لكن القاهرة ظلت الجغرافيا السياسية الثابتة التى لا يستقيم توازن الإقليم دونها.
كلمات الرئيس السيسى فى بغداد لم تكن مجرد تصريح، بل هى امتداد لخط استراتيجى مصرى واضح: لا أمن ولا استقرار فى المنطقة من دون تسوية عادلة وشاملة تعيد للفلسطينيين دولتهم المستقلة على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
هذا الموقف ليس خطاباً دبلوماسياً، بل موقف متجذّر فى عقيدة الدولة المصرية منذ الرئيس جمال عبدالناصر، ومروراً بالرئيس أنور السادات، ثم الرئيس حسنى مبارك، وصولاً إلى الرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى واجه منذ توليه السلطة واحداً من أكثر المشاهد تعقيداً فى الملف الفلسطينى، لاسيما مع انقسام الساحة الفلسطينية بين رام الله وغزة، واندفاع موجة التطبيع العربى، وتصاعد الحروب الدورية على القطاع الذى يتعرّض للإبادة.
وقبل أن أغوص فى اللحظة الراهنة والوقوف أمام تعبيرات الرئيس السيسى فى قمة بغداد، أتوقف أمام الجذور المصرية الراسخة تجاه فلسطين، والمواقف الوطنية لشخصيات ورموز سياسية، وفكرية من المدرسة المصرية الوطنية نفسها التى تُثبت يوماً تلو الآخر، أن هذه الرؤية المصرية ثابتة وراسخة ومرنة، تتعامل وفق الظروف الدولية، لكنها لا يمكن أن تحيد عن الخط الاستراتيجى بضرورة استعادة العدالة فى فلسطين، كونها قضية أمن قومى عربى، وقضية عدالة وضمير.
إذا عُدنا إلى نهاية القرن التاسع عشر، نُدرك أن مصر تنبّهت عبر نخبتها، إلى خطر ما ادعاه تيودور هيرتزل، بما يُسمى إنشاء وطن قومى لليهود فى فلسطين، الذى تبنّاه بعد أقل من عقدين، وزير الخارجية البريطانى بلفور عام 1917.
ذلك أن مصر رغم وقوعها تحت براثن الاحتلال الإنجليزى، فإنّها انتبهت وتحرّكت فى المحافل الدولية، وجعلت قضية فلسطين قضية مصرية صميمة.
نرى محمد على علوبة باشا، ذلك المحامى الأسيوطى الذى ألف كتاب «فلسطين وجاراتها»، يحمل القضية على عاتقه، ويذهب إلى القدس عام 1931، دفاعاً عن فلسطين، ويشارك فى المؤتمر البرلمانى العربى عام 1938.
وكان مصطفى النحاس باشا، رئيس وزراء مصر الأسبق، ونحن نعلم أنه الرجل الذى كان وراء إنشاء جامعة الدول العربية عام 1945، قد عبّر عن تضامنه مع الشعب الفلسطينى، ورفض تهويد فلسطين، وشكل اللجنة العربية العليا أثناء ثورة 1936 - 1939 التى اندلعت ضد المحتلين، الذين سمحوا بالهجرة اليهودية إلى الأراضى الفلسطينية.
وكان النحاس باشا من أبرز من انتقدوا مشروع التقسيم، واعتبره يُهدّد الأمن القومى العربى، ونحن نعلم أيضاً أن جامعة الدول العربية عندما أنشئت كان ذلك بسبب قضية فلسطين، التى صارت بنداً ثابتاً على جدول أعمالها إلى الآن.
يا لمفارقة التاريخ، فإن محمود فهمى النقراشى باشا رئيس وزراء مصر الأسبق، كان ضمن الذين يرفضون الحرب فى فلسطين عام 1948 فى البداية، لكنه أمام الواجب الوطنى قاد دخول القوات فى تلك الحرب دفاعاً عن فلسطين، وكان ذلك التزاماً مصرياً وسياسياً وعسكرياً مبكراً، رغم أن مصر فى تلك اللحظات كانت ساعية إلى التحرّر من الاحتلال الإنجليزى، رافق ذلك أن المثقفين انتبهوا إلى قضية فلسطين، فها هو شيخ العروبة أحمد زكى باشا رائد إحياء التراث العربى، يؤكد ضرورة عروبة فلسطين، وضرورة مقاومة المشروع الصهيونى، وكان يعتبر أن تحرّر فلسطين امتداد حضارى لمشروع الوحدة العربية.
فى هذا السياق، لن ننسى إرسال مصر متطوعين فى الحرب، بقيادة الضابط المصرى أحمد عبدالعزيز، وللعلم فإن هذه الحرب التى دارت فى فلسطين شهدت تفوقاً واضحاً للجيوش العربية فى البداية حتى وصل الدعم الغربى الحاسم لإسرائيل، فاختلت موازين القوى، وكان قرار مصر، رغم تعقيدات الحرب، استجابة لمقتضيات الأمن القومى، والتضامن العربى، ولم يكن مجرد اندفاع سياسى، وتجلى ذلك فى قوة المفاوض المصرى فى اتفاق الهدنة فى رودس اليونانية عام 1949، الذى كان مجرد هدنة، وظلت مصر تقاتل على جبهات عدة.. جبهة المفاوضات وجبهة الحرب.
فى 23 يوليو 1952، تغيّر وجه القاهرة السياسى، لكن لم تتغير نظرتها أبداً تجاه فلسطين كقضية وطنية وإنسانية ذات أبعاد عالمية تؤثر فى استقرار العالم، وكان الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر قد تنبّه إلى أن فلسطين -كما يراها- قطعة من الوطن العربى، وقضيتها هى قضية كل عربى. حملها الرجل فى مؤتمر باندونج عام 1955، وحملها فى كل وقت فى المفاوضات، واللقاءات التى جمعته بزعماء العالم الكبار فى ذلك الوقت.
لم يكن الرئيس عبدالناصر يطلق شعاراً سياسياً، بل كان يؤمن إيماناً قاطعاً بعدالة القضية الفلسطينية، لذا فإن عصره حمل قضية الشعب الفلسطينى على عاتقه، وشاركت مصر فى تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، ودعمت حركة فتح فى معركة الكرامة 1968، وعندما وقعت أحداث أيلول الأسود فى الأردن عام 1970، سارع عبدالناصر بعقد قمة لإيقاف نزيف الدم العربى، نجح فى ذلك حتى وفاته فى 28 سبتمبر 1970.
فى ذلك القوس الخمسينى، كان هناك صوت الدبلوماسيين المصريين أمثال محمود فوزى، الدبلوماسى العتيد، ووزير الخارجية ورئيس الوزراء الأسبق الذى كان يدافع عن الحقوق الفلسطينية فى الأمم المتحدة، والمحافل الدولية، داعياً إلى إقامة دولة فلسطينية، كرؤية مصرية ثابتة.
وعندما جاء الرئيس الأسبق أنور السادات، أخذ على عاتقه تحرير الأرض، طبقاً للرؤية المصرية الثابتة، فقد ورث نكسة 1967، فعمل على تقسيم الجهد، أولاً يُحرر الأرض المحتلة، وقد فعل فى حرب أكتوبر 1973، ثم يقيم السلام الشامل والعادل فى الشرق الأوسط، فتقدّم بمبادرته عام 1977، ووقّع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، ومعاهدة السلام عام 1979، لكنه قال فى الكنيست أثناء خطابه، إنه لا يمكن أن يكون هناك سلام حقيقى فى المنطقة، دون حل عادل للقضية الفلسطينية.
أى إن الرجل وضع شروطاً للسلام، وهى أن تكون فلسطين متمتّعة بحق تقرير المصير، استناداً إلى الشرعية الدولية.
وهكذا بدا السادات معبّراً عن الرؤية المصرية الاستراتيجية التى حافظ فيها خلفه الرئيس الأسبق مبارك على المسار والنهج نفسهما، ونحن نعرف أن الرئيس مبارك دعا وشارك فى مؤتمر مدريد للسلام 1991، وساعد فى الوصول إلى اتفاق أوسلو عام 1993، وعايش الانتفاضة الفلسطينية الأولى التى اندلعت عام 1987، والانتفاضة الثانية التى اندلعت عام 2000، وكان فى الحالتين يقف إلى جانب الشعب الفلسطينى عبر دعمه فى المحافل الدولية، والحفاظ على قياداته، وقد استضافت القاهرة فى ذلك الوقت، الفصائل الفلسطينية من أجل وحدة وطنية ترسّخ إقامة الدولة الفلسطينية.
ورغم الأحداث التى ضربت المنطقة فى عام 2011، وأثرت على الوضع الفلسطينى، وذلك باعتراف الرئيس الفلسطينى محمود عباس «أبومازن»، الذى قال إن أحداث الربيع العربى فى المنطقة، جعلت القضية فى الخلف من اهتمام العالم.
لكن مصر بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى تسلم قيادة البلاد عام 2014، أكد أن القضية الفلسطينية هى قضية العرب المركزية، وشدّد على حل الدولتين، وضرورة إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو عام 1967.
ورغم أن مصر عانت فى تلك السنوات من هجوم إرهابى، ومعركة طاحنة على جميع الجبهات الاستراتيجية، فإن البوصلة المصرية تجاه القضية لم تتغير، بل إن الرئيس السيسى حملها إلى محافل الأمم المتحدة، وقال إنه لا استقرار فى المنطقة أو العالم من دون دولة فلسطينية، ولم تغِب عن الرئيس قط ضرورة أن تكون القيادة الفلسطينية موحّدة، وقد جمعت مصر الفصائل الفلسطينية أكثر من مرة من أجل هذا الهدف المهم.
وعندما وقعت حروب متتالية بين إسرائيل وقطاع غزة، كانت مصر هى الوسيط الصارم والنزيه، وفى آخر الحروب التى اندلعت فى السابع من أكتوبر عام 2023، كان أول تصريح مصرى هو أن هدف هذه الحرب أبعد من غزة، وكان الهدف هو تصفية القضية الفلسطينية، وتهجير الفلسطينيين من أراضيهم، وتوسيع نطاق الحروب لتشمل جغرافية الشرق الأوسط من أجل تغيير الخرائط، وتمزيق الدول.
أذكر أنه فى اليوم الثانى من تلك الحرب، حذر الرئيس السيسى من استراتيجية هذه الحرب، ودوافعها وأهدافها، ومن أجل ذلك دعا إلى أكثر من مؤتمر، والتقى بأكثر من زعيم عالمى من أجل منع انزلاق، ليس الشرق الأوسط وحده، بل العالم، وها نحن أمام منزلق خطير بالفعل، قد يؤدى إلى تداعيات أخطر مما يظن مرتكبوها.
الحقيقة أنه منذ اتفاق جزيرة رودس عام 1949، مروراً بكامب ديفيد، ومدريد، وأوسلو، والقاهرة، وشرم الشيخ، لم تغب مصر عن المشهد الدبلوماسى، كانت دائماً الوسيط النزيه والحارس الشريف، سواء أثناء الاعتداء المتكرّر على غزة، أم فى مسار المفاوضات.
فعلى مدى أكثر من قرن، حافظت مصر على موقف ثابت تجاه فلسطين، انطلاقاً من إدراك عميق للروابط الجغرافية والتاريخية والمصيرية، من التأسيس الثقافى والسياسى على يد الرواد، مروراً بتضحيات الجيش المصرى، ومبادرات السلام، وصولاً إلى دورها المحورى فى الوقت الحالى، فقد ظلت مصر، ولا تزال ركيزة أساسية فى الدفاع عن الحق الفلسطينى، فلم تكن القضية الفلسطينية يوماً ملفاً خارجياً بالنسبة للقاهرة، بل هى جزء من هويتها القومية وضميرها الحضارى.
ولعلى هنا أتذكّر ما كان يفكر فيه عن حق جمال حمدان، الرجل الذى جعل من الجغرافيا كائناً يمشى على الأرض، وقد اهتم بفلسطين كجوهر النضال فى المنطقة، وقال إن فلسطين ليست بقعة جغرافية، بل هى مفتاح الأمن القومى العربى، وكان يرى أنها ليست مجرد صراع على أراضٍ، بل صراع على التاريخ والتراث والثقافة، وكان يرى أيضاً أن التخاذل عن فلسطين هو تخاذل عن الذات العربية، وأنه لن ينعم الوطن العربى بالأمن أو الاستقرار ما دامت فلسطين محتلة، ويراها العمق الجيوسياسى والأمنى لمصر.
وقد جسّد جمال حمدان الروح المصرية العامة تجاه عدالة قضية فلسطين، تلك التى عبّر عنها الرئيس السيسى فى بغداد، التى تحمل فى طياتها أن سلام القوة، والطرد، والتصفية لا يمكن أن يجعل هناك استقراراً، ما دامت لا توجد عدالة فى قضية فلسطين.
الحقيقة أن مصر تعبّر عن نفسها، وتحمل عبء التاريخ فى المنطقة، ولا تتخلى عن دعم الشعب الفلسطينى من أجل إقامة دولته المستقلة، فمهما يكن من توتر فى النظام الدولى أو الإقليمى، فإن البوصلة المصرية موجّهة إلى قبلة سياسية واضحة، وهى أن وجود دولة فلسطينية مستقلة، يعنى وجود نظام دولى مستقر.
إن تعبير الرئيس السيسى فى بغداد نابع من عمق استراتيجى مصرى، ويكمل سلسلة ذهبية من المواقف المصرية على مدى أكثر من قرن، وإن الحقيقة لا يمكن إخفاؤها، فالسلام الشامل يعنى الاستقرار، فمصر لا تؤمن بسلام القوة ولا فرض الأمر الواقع، مهما تكن أوضاع النظام الدولى.