من «الوسادة الخالية» لـ«أرض الأحلام» مراحل تطور «مصر الجديدة» بعيون السينما

كتب: أمنية سعيد

من «الوسادة الخالية» لـ«أرض الأحلام» مراحل تطور «مصر الجديدة» بعيون السينما

من «الوسادة الخالية» لـ«أرض الأحلام» مراحل تطور «مصر الجديدة» بعيون السينما

فى عام 1957 وُلد على شاشة السينما المصرية واحد من أعذب كلاسيكياتها «الوسادة الخالية»، ذلك العمل الذى صاغ ملامحه المخرج الكبير صلاح أبوسيف، مستنداً إلى رواية بالاسم نفسه للكاتب إحسان عبدالقدوس، وسيناريو وحوار الفنان سيد بدير.

«أرض الأحلام» يرصد وقائع الحب والحياة فى أعماق خضرتها ونوافذها وليلها الساحر.. و«ضحك ولعب وجد وحب» صورة حية لنبض الوطن

تقول الناقدة الفنية خيرية البشلاوى إن صلاح أبوسيف لم يختر مكاناً عابراً ليروى فيه قصة الحب بين بطلى المسلسل، بل ذهب إلى قلب مصر الجديدة، ليغزل تفاصيل الرواية فى أزقتها الهادئة. وهناك، تحديداً فى شارع غرناطة، اختار عمارة أنيقة تقف «سميحة» (لبنى عبدالعزيز) يومياً فى شرفتها الواسعة، تتطلع بانتظار العاشق الولهان، صلاح (الذى أدى دوره الفنان عبدالحليم حافظ)، وهو طالب فى المرحلة الثانوية، وما إن تلمح سميحة حبيبها قادماً من الشارع المقابل، حتى تلوِّح له بحب وشوق، ثم تهبط مسرعة للقائه، لتشهد هذه البقعة من مصر الجديدة على لحظات رومانسية حُفرت فى ذاكرة السينما والجمهور على حد سواء.

«البشلاوى»: أجمل مكان يوثق ذكريات المخرجين المعاصرين

وشارع الأهرام بمصر الجديدة جرى فيه تصوير فيلم «لصوص لكن ظرفاء»، وتحديداً فى العمارة رقم 22 فى شارع الأهرام بحى مصر الجديدة بجانب سينما نورماندى، وهى ما زالت موجودة حتى الآن، والفيلم من إنتاج عام 1968، من بطولة أحمد مظهر وعادل إمام ومارى منيب ويوسف فخر الدين ومديحة سالم، ومن إخراج إبراهيم لطفى.

تقول «البشلاوى» إنّ مصر الجديدة صارت أجمل مكان يوثق الذكريات عند مخرجين معاصرين، ففى شوارع مصر الجديدة ومدارسها وكنائسها عام 1968، عاش أبطال فيلم «ضحك ولعب وجد وحب» لطارق التلمسانى عام 1990، فـ«أدهم»، التلميذ الفاشل، يقع فى حب ابنة الليل «إش إش» التى تطل شرفتها مباشرة على فناء المدرسة، ولكل من التلاميذ قصة حب وطموح وصراعات، وتبدو مصر الجديدة فى هذه الحقبة نبضاً للوطن وصورة حية من ذكريات المخرج نفسه.

وقد شغف داوود عبدالسيد بهذه المنطقة التى يسكن فيها، وعبَّر عن هذا الشغف بقوة فى فيلمه «أرض الأحلام» عام 1993، فى بداية الفيلم تروى «نرجس» الشجيرة الصغيرة التى جرى غرسها فى أسفل المنزل الصغير، ومع مرور السنوات زحفت خضرتها وأوراقها إلى الأدوار والنوافذ، فصارت شاهدة على الذكريات والأشخاص.

وسجل الفيلم وقائع الحياة فى مصر الجديدة التى عاشت فيها «نرجس» وأسرتها بحسب «البشلاوى»، وبدا المخرج شغوفاً بشدة بعالم الليل فى هذا الجزء الراقى من المدينة، الذى عاد إليه محمد خان مرة أخرى عام 2007 بفيلمه «فى شقة مصر الجديدة»، وبدت التجربة مختلفة، فالمخرج لم يعش فى المنطقة نفسها مثلما فعل داوود عبدالسيد، كما أن الفتاة «نجوى» التى جاءت لتبحث عن مدرستها غريبة عن المدينة تأتى إلى المكان لأول مرة، وقد بدا الحى بالنسبة لها أقرب إلى اليوتوبيا، ففيه سوف تلتقى بالمدرِّسة التى تأثرت بها كثيراً، وهى وإن لم تلتق بمُدرستها فإنها سوف تقابل شاباً سيصبح بلا شك هو قرينها، أى أن مصر الجديدة بالنسبة لها ستكون الحلم والذكريات مع أكثر من شخص: المدرِّسة والشاب «يحيى»، ولعل محمد خان هو أكثر المخرجين شغفاً بالمدينة وشوارعها وأزقتها وأركانها الصغيرة وأطلالها وسطحها.

وتدور أحداث فيلم «هليوبوليس» فى قلب حى مصر الجديدة العريق، حيث تتشابك مجموعة من القصص والحكايات التى تجرى فى ليلة واحدة، تتوازى مسارات الشخصيات المختلفة وتتداخل مصائرهم تدريجياً حتى يطل عليهم صباح يوم جديد، وخلال هذا اليوم الذى يمر على هذه الشخصيات يكشف الفيلم عن تفاصيل دقيقة فى حياتهم اليومية، مسلطاً الضوء على أزماتهم وتحدياتهم التى تتجلى من خلال المواقف الحياتية العادية والبسيطة، بغضِّ النظر عن ضخامة الحدث الظاهرى، وفى نهاية هذه الليلة يواجه جميع الأبطال نوعاً من الإخفاق فى تحقيق ما كانوا يصبون إليه، لكنهم يخلدون إلى النوم على أمل استئناف محاولاتهم فى اليوم التالى.

تجرى هذه الأحداث الشيقة على خلفية منطقة «مصر الجديدة» القديمة، ذلك الجزء الذى يحمل طابعاً فريداً وخصوصية مميزة بين أحياء القاهرة الأخرى، ويأتى اختيار هذا الحى كتحية نوستالجية لفترة زمنية كانت فيها القاهرة مدينة تحتضن تنوعاً ثرياً فى أشكالها وألوانها الثقافية والاجتماعية، مما يُضفى على الفيلم جواً من الأصالة والحنين إلى الماضى الجميل.


مواضيع متعلقة