«سعاد حسني» الزهرة البرية

سحر الجعارة

سحر الجعارة

كاتب صحفي

ما بين «القتل أو الانتحار».. كُتبت نهاية «السندريلا»، ليتاجر البعض بحكايات ملفّقة عن أيامها الأخيرة، أو قصص الحب فى حياتها، أو ما تردّد عن زواجها بالنجم «عبدالحليم حافظ»!

الغريب أن «زوزو» لم ترحل عن عالمنا حتى اليوم، ولا أحد يهتم بملف موتها الغامض، لأنها لا تزال تُبهجنا وتشجينا وتوقظ فينا الألم والشجن النبيل.. لا تزال جزءاً أصيلاً من تاريخنا ومن ذاكرة السينما العربية.. من «القاهرة 30»، مروراً بـ«شروق وغروب»، و«أهل القمة»، وحتى «الراعى والنساء».

لا تزال «زوزو» حية فى قلوبنا، سواء انتحرت لتُنهى رحلة الشقاء التى عاشتها، أو قُتلت لتختفى أسرار لن نكتشفها أبداً! إنها قصة واقعية للمرض حين يغتال طاقتنا وحبنا للحياة وقدرتنا على العطاء، فنهرب من الأضواء، خشية أن نشوه صورتنا الجميلة فى عيون من أحبونا.. ورغم ذلك «عاشت سعاد» وماتت أنصاف المواهب والمدّعيات وهواة الشهرة سقطن بنظرة واحدة منها.. نظرة لن تتكرر.

كانت نظرة سعاد تُدخلك فى حالة عشق ممدود، وضحكتها تمنحك بهجة مجانية لترقص معها رقصة الحياة.. أما حزنها فكان صادقاً ناعماً مسكوناً بأعماقها وبكل مسام وجهها بلغة جسدها ورجفة صوتها ليصلك الإحساس سلساً نقياً: (عندما يتحجّر الدمع على الجفن.. ويمتزج الحزن بفن صناعة البهجة: يولد الإبداع).. إنها «السندريلا»: قلبى بيزغزغ روحه بروحه علشان يمسح منه التكشيرة.. ادعوا له ينساها بقى ويضحك.

ليس مهماً إن كانت تزوجت بحليم أم لا، وليس مهماً ما حصدته من جوائز وتقدير، ولا حتى عدد الأفلام التى قدّمتها، فالأهم من كل ذلك أنها «عاشت حتى اليوم».. والأهم من الزواج أنها وحدها تربّعت على عرش قلب «حليم» واحتلت عقله وحياتها وحدها دون منافس.. وأيضاً «عاشت حبها» لآخر رشفة فى كأس العشق.

لا تستحق منكم سعاد أن تجرحوا فى قصتها الجميلة وتشوّهوا المعانى الثمينة التى تعلمناها من هذا الثنائى.. ولا نستحق نحن عشاق «حليم وسعاد» أن تحطموا أحلامنا وتكسروا كل المعانى التى تذوقناها وعشنا بها ولها (!!).. ما كل هذه القسوة؟

كان حليم هو «أيقونة الحب» فى وجدان المصريين، تعلمنا منه كل أشكال الحب، وكنا طرفاً فى هزائمه وانتصاراته العاطفية، تلقينا نيابة عنه صفعة عماد حمدى له فى «فيلم الخطايا».. وتُهنا وتألمنا فى «أبى فوق الشجرة»: حتى فى أحضان الحبايب شوك يا قلبى.. ابكى.. هذا الإحساس لا يصدر إلا من قلب عاشق.. نعم بكينا كثيراً فرحاً وحُزناً، مع نجمنا الأسمر النحيل وعليه، فقد كان يهبنا السعادة، بينما هو يموت قطعة فقطعة.. تحالفت عليه البلهارسيا مع فيروس C فى عز مجده.. وبينما كانت وسائل الإعلام، التى لا تتجاوز عدة صحف وتليفزيوناً محلياً، تتهافت على نشر قصص الغرام والزواج المزعومة.. كان «حليم» يبحث عن العلاج فى لندن.

لقد عاش «حليم» لفنه.. وتحمل كل الافتراءات التى أشيعت حول مرضه.. وكان حريصاً حتى آخر نفس على أن يتمتع بالذكاء الحاد وأن يحتكم لعقله قبل قلبه فى إدارة موهبته.. وحين قال له الدكتور «ياسين عبدالغفار»: (إن هناك عملية تجعلك إنساناً طبيعياً وتمارس حقك فى الحياة كرجل، ولكنها تُفقدك الذاكرة وتجعلك إنساناً آخر)، قال «حليم»: (الله يفتح عليك يا دكتور ياسين، أنا عايز أموت مغنى).. ولهذا رحل «عبدالحليم» عن عالمنا.. لكن «المغنى» ما زال يعيش بيننا.

أنتم تغتالون ذاكرتنا، تهدمون الرمز، أذكر أننى فى بداية حياتى الصحفية ذهبت لأحاور الحاجة «علية شبانة»، شقيقة «حليم» التى ربّته، والحقيقة أننى ذهبت أبحث عن «الحلم الضائع»، أشتم رائحته فى غرفة نومه التى لا يزال عرقه يرسم حجم رأسه على ظهر سريره.. حدّثتنى الحاجة «علية» طويلاً عن المعجبات اللاتى يذهبن -مثلى- إليها، ورأيت أسماء بعضهن مكتوبة على باب شقته بالزمالك.. إن «حليم» أسطورة فى كل شىء، الموهبة وفن إدارتها وعلاقته بالإعلام المحدود آنذاك.. فى اختياراته الفنية.

أما النجمة «سعاد حسنى» فهى «حالة استثنائية» فى حياتنا الفنية، كانت رمز البراءة فى «حسن ونعيمة»، والطهر والوفاء فى «الزوجة الثانية»، كانت «القهر» حين يتجسّد فى أنثى «شفيقة ومتولى».. و«البهجة» حين تنطق بالصوت والصورة والاستعراض الراقى لتحول حياتنا إلى أغنية دائمة نستدعيها كلما هلّ الربيع.. كانت نغمة عبقرية ليس لها مؤلف لأنها «منحة ربانية»!.

موهبتها، شهرتها، ملايين المعجبين، حب الناس، أفلامها.. ثروة كبيرة أهم بكثير من هل تزوجت حليم أم لا؟.. واسمحوا لى: زواجها من حليم وهما على قيد الحياة كان سيضيف إلى سعادتهما. أما بعد الغياب فلن يضيف شيئاً لرصيد سعاد فى قلوبنا، وفى ذاكرة السينما: هناك أشخاص هم فى «حد ذاتهم قيمة».. ليس مهماً ولا ضرورياً أن ينتسبوا إلى زوج أو أب أو أخ.. هناك أناس نبتوا فى حياتنا مثل «زهرة برية» تنمو بشكل طبيعى فى البرية دون تدخّل بشرى.. لكن البشر أحياناً يقطفونها من تربتها ويضنّون عليها بنقطة ماء حتى تذبل وتموت.. وهذا ما تفعلونه بتاريخها وسمعتها: كفى.