يسرا زهران تكتب: «الوطن» تواصل قراءة كتاب وثائق «بريجينسكي» مستشار الأمن القومى الأمريكى الأسبق.. وبدأت النهاية عندما وضع «السادات» ثقته في «كارتر»

كتب: أحمد العانوسي

يسرا زهران تكتب: «الوطن» تواصل قراءة كتاب وثائق «بريجينسكي» مستشار الأمن القومى الأمريكى الأسبق.. وبدأت النهاية عندما وضع «السادات» ثقته في «كارتر»

يسرا زهران تكتب: «الوطن» تواصل قراءة كتاب وثائق «بريجينسكي» مستشار الأمن القومى الأمريكى الأسبق.. وبدأت النهاية عندما وضع «السادات» ثقته في «كارتر»

إعداد: يسرا زهران

فى منتصف الشهر الحالى، أصدر الصحفى البريطانى «إدوارد لوس»، كبير محللى الشئون الأمريكية فى صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية، كتاباً شديد الأهمية، يحكى تاريخ عالمنا المعاصر من زاوية من صنعوه.

يحكيه من زاوية رجل اعتاد العمل من وراء الستار، وتحريك الخيوط فى صمت دون أن يظهر كثيراً فى الصورة، وعندما يظهر، يقلب الأحداث، فلا تعود الصورة بعد ظهوره أبداً إلى ما كانت عليه. إنه كتاب حمل عنوان «زبيج»، وهو اختصار اسم معقد لشخصية أكثر تعقيداً. إنه كتاب عن وثائق وسيرة حياة «زبيجنيف بريجينسكى»، مستشار الرئيس الأمريكى الأسبق «جيمى كارتر» لشئون الأمن القومى (زبجنيو بريجينسكى هو النطق الذى شاع لاسمه فى منطقتنا العربية ولدى من لا يعرفون طريقة نطق الحروف البولندية التى تعود أصوله إليها).

..

«بريجينسكى» تولى منصبه فى الفترة التى صنعت أهم مراحل رئاسة «كارتر»: مرحلة توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل عام ١٩٧٩، والثورة الإسلامية فى إيران، واندلاع الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى. فى كل واحد من تلك الأحداث، كان لدى «بريجينسكى» ما يقوله، وما يراه، وما يفعله. كان شاهداً على التاريخ وجزءاً منه. ومن الزاوية التى كان يقف فيها، رأى «بريجينسكى» حجم المخاطرة التى تحملها الرئيس المصرى الأسبق «أنور السادات» فى سعيه لبناء السلام فى الشرق الأوسط، بعد أن استردت مصر حقها وأرضها بالدم والشهداء والحرب. ورأى أيضاً كم تعنت الجانب الإسرائيلى فى المفاوضات الذى لم يستطع «كارتر» نفسه فى أحيان كثيرة أن يتحمله.

وفى ذلك الكتاب الجديد، الذى يعتمد فى جزء كبير منه على وثائق ومذكرات «بريجينسكى» الشخصية، نرى حجم التقدير الذى كان يحمله «كارتر» للرئيس «السادات»، وثقة «السادات» نفسه فى وعود وتعهدات قدمها له «كارتر» لصالح القضية الفلسطينية قبل توقيع معاهدة «كامب ديفيد». ولكن هل كان «كارتر» فعلاً يستحق هذه الثقة؟

..

«السادات» أراد أن يضمن التزام إسرائيل باتفاق حول الحكم الذاتى الفلسطينى.. و«كارتر» تعهد له بذلك على طريقة «إما كل شىء أو لا شىء».. و«بريجينسكى» تأثر من ثقة «السادات» فى «كارتر» وقال لرئيسه: «عليك إذن أن تكون حازماً للغاية فى مسألة وقف المستوطنات»

كثيرون ممن عاصروا وعرفوا «زبيجنيف بريجينسكى» قالوا عنه إنه أكثر خطورة من «هنرى كيسينجر»، وزير الخارجية ومستشار الأمن القومى الأمريكى الأسبق والأشهر. وبعد مرور أكثر من نصف قرن على عهد «الثعالب» التى كانت تحكم السياسة الأمريكية، أدرك العالم أن «بريجينسكى»، الذى تنبأ بانهيار الاتحاد السوفيتى (على عكس «كيسينجر» الذى كان يصر على أنه سيظل يشكل تهديداً مستقبلياً ومتواصلاً على الولايات المتحدة) هو الذى كان يرى رقعة الشطرنج العالمية بصورة أوضح، وأن رؤيته السياسية، التى توقع فيها صعود الصين كقوة مستقبلية ضاربة فى الوقت الذى تجاهلها فيه كثيرون، كانت أقرب إلى النبوءات.

«بريجينسكى» كان هو الوحيد ضمن فريق «كارتر» الذى استطاع التعامل خلال مفاوضات «كامب ديفيد» مع رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق «مناحم بيجين»، الطرف الثانى الذى كان يجلس على طاولة المفاوضات أمام الرئيس «السادات»، وعلى طاولة أخرى يلعب «الشطرنج» مع «بريجينسكى» الذى عرف كيف يقرأ عقله، لكنه لم يقدر على تغيير رأيه بحيث يمنح الفلسطينيين مزيداً من حقوقهم المشروعة كما كان الرئيس «السادات» يصر قبل توقيع الاتفاقية، وهو ما كان يهدد المفاوضات كلها بالانهيار والفشل.

يحكى كتاب «إدوارد لوس» عن تلك الأيام العصيبة التى ظل فيها «كارتر» غارقاً فى جدال قانونى مع «بيجين» حول تفكيك المستوطنات الإسرائيلية فى الأراضى المحتلة، وهو الشرط الذى كان الرئيس «السادات» يصر عليه من أجل توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل. ظل الرئيس الأمريكى يحاول إقناع «بيجين» أن قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم ٢٤٢ ينص على عدم جواز الاستيلاء على الأرض عن طريق الحرب، وهو ما ينطبق على أراضى الضفة الغربية التى احتلتها إسرائيل بعد حرب ١٩٦٧. أما «بيجين» فلم يكن معترفاً أصلاً بتسمية «الضفة الغربية»، وكان يصر على تسمية هذه المنطقة باسمها العبرانى القديم «يهودا والسامرة»، واعتبر أن مجرد التفكير فى تفكيك المستوطنات هو «ضرب من الخيال، وأن قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ لا ينطبق على هذه الأراضى».

موقف رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق، وفقاً لكتاب «لوس»، جعل الرئيس الأمريكى «يتساءل عن مدى السلامة العقلية لـ«بيجين». ويضيف الكتاب: «لم يكن «كارتر» يدرك فى تلك اللحظة أن الرئيس «السادات» قد قرر بالفعل الانسحاب من المفاوضات. فى اليوم الحادى عشر من المباحثات دخل وزير الخارجية الأمريكى وقتها «سايروس فانس» إلى المكان بوجه ممتقع، حاملاً أخباراً تقول إن «السادات» قد طلب مروحية لنقله إلى مطار «دالاس» الدولى. كان المصريون قد حزموا حقائبهم واستعدوا للرحيل، وكانت تلك هى المرة الثانية التى يهدد فيها الرئيس المصرى بالانسحاب. فى المرة الأولى منعه «كارتر» شخصياً من مغادرة الغرفة، لكن فى هذه المرة كان عليه أن يفكر فى شىء أكثر تأثيراً، فهدد «كارتر» بخفض مستوى العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة ومصر، الأمر الذى يمكن أن يدفع مصر مرة أخرى إلى المدار السوفيتى. وقال «كارتر» للرئيس المصرى إن صداقتهما، وربما حتى رئاسته لأمريكا ستنتهى لو أن «السادات» غادر المفاوضات. وكتب «كارتر» نفسه عن تلك اللحظة فى مذكراته قائلاً: «كنت جاداً إلى أقصى حد، وكان «السادات» يدرك ذلك».

ويواصل كتاب «لوس»: «إن «السادات» أراد أن يعرف كيف يمكن لـ«كارتر» أن يضمن أن تلزم إسرائيل نفسها باتفاق ذى مضمون حقيقى حول الحكم الذاتى الفلسطينى، بما فيها تلك العبارات المستخدمة حول الوضع السيادى للقدس الشرقية، فارتجل «كارتر» تعهداً جديداً للرئيس المصرى، وقال له إنه إذا تم إلغاء أى جزء من الصفقة، فسيتم فك حزمة الاتفاقات كلها على طريقة «إما كل شىء أو لا شىء» على نحو يمنع إسرائيل من التراجع، وإن هذا الأمر لو حدث، فسوف يعلنه هو (أى «كارتر») على الملأ. وكان هذا التعهد كافياً بالنسبة للسادات. وبعد برهة طويلة من الصمت، وعد «السادات» بأن يظل مع «كارتر» حتى انتهاء الأمر. والواقع أنه من الصعب تخيل أن يتحمل «السادات» و«بيجين» ٢٤ ساعة من المفاوضات فى غياب كارتر».

ويتابع: «كانت الوثائق النهائية للاتفاقية درساً فى «خفة اليد» اللغوية. كان الجزء الخاص بمصر وإسرائيل فى الاتفاقية مباشراً وواضحاً نسبياً، نظراً لأن كلا الطرفين كان يريده ويسعى إليه، على الرغم من أن «كارتر» كان عليه أن يزيد من جاذبية الأمر، فاتفق مع الرئيس «السادات» على تقديم شحنات كبيرة من القمح والذرة، وبالنسبة لـ«بيجين»، وافق «كارتر» على أن تقوم الولايات المتحدة بتمويل مهبطين جديدين للطائرات داخل إسرائيل فى مقابل تخليها عن المهبطين اللذين قامت ببنائهما فى سيناء. وظهرت مناورة «كارتر» فى القسم الثانى من الاتفاق. كانت الصياغة اللفظية حول الاستقلال الذاتى الفلسطينى مبهمة إلى الحد الذى يجعل مسألة إعادة تفسيرها مجرد لعبة أطفال بالنسبة لشخص شديد التدقيق فى التفاصيل القانونية الصغيرة مثل «بيجين». إلا أن الأمر كله كاد ينهار فى آخر لحظة عندما اعترض «بيجين» على البند الخاص بالقدس، والذى كان جزءاً مما طالب به «السادات» مقابل عدم انسحابه. ساعتها سارع «كارتر» بالذهاب إلى الكوخ الذى يقيم فيه «بيجين» فى «كامب ديفيد» حاملاً صورتين لنفسه كهدية لحفيدى «بيجين»، وعلى كل واحدة منهما كتب الرئيس الأمريكى «مع الحب وأطيب التمنيات».

تلك القصة حول الصورتين والإهداء التى أوردها «كارتر» فى مذكراته، أوردها «لوس» أيضاً فى كتابه، وكأن كليهما يريد منا أن نصدق أن هذه الحركة كان لها تأثير على «بيجين». يقول «لوس»: «وشعر «كارتر» بسعادة خفية لأن تصرفه قد أثار مشاعر «بيجين» بشكل عميق. واغرورقت عينا الزعيم الإسرائيلى بالدموع وهو يتحدث عن كل واحد من حفيديه. وسمح بتمرير المسودة التالية للرسالة الجانبية حول القدس، والتى كانت مجرد نسخة مخففة قليلاً عن تلك التى رفضها بشدة من قبل. تلك هى التفاصيل الخاصة والصغيرة التى يمكن أن تصنع جسراً ينقل من الفشل إلى النجاح».

ثم عاد «بريجينسكى» ليظهر فى الصورة من جديد. وهذه المرة ليظهر حرفياً فى قلب الصورة التى أزاحت الستار أمام العالم عن هذا الحدث الذى غير مجرى التاريخ.

يحكى الكتاب أنه: «عندما بدا واضحاً أن الاتفاق قد تم، قام «كارتر» بإرسال «بريجينسكى» إلى واشنطن قبل الآخرين لكى ينقل الخبر لوسائل الإعلام. وتولى كل من «كارتر» ووزير خارجيته «فانس» مهمة التعامل مع التفاصيل التقنية والعقبات التى ظهرت فى اللحظات الأخيرة. كان «بريجينسكى» فى الأساس مفكراً استراتيجياً، يجد نفسه ويشعر بالسعادة وهو يرسم الخطوط العريضة بدلاً من الأخذ والرد حول المصطلحات القانونية. بينما كانت تلك التفاصيل ملائمة أكثر لـ«فانس»، الذى كان فى الأصل محامياً، و«كارتر» الذى كان مهندساً. لكن «بريجينسكى» كان هو من كشف الستار عن الاتفاق للعالم. استقل طائرة مروحية إلى البيت الأبيض ثم نقل الخبر لوسائل الإعلام. وساعتها فقط، أدرك «بريجينسكى» حجم الضربة التى قام بها «كارتر». كان قد قضى وقتاً طويلاً معزولاً عن العالم الخارجى لدرجة أنه نسى أن أحداً لم يكن يملك أدنى فكرة عما كان يدور (فى «كامب ديفيد»). وفى مذكرة كتبها «بريجينسكى» فى ١٨ سبتمبر عام ١٩٧٨، قال: «كان هناك من شهق بصوت مسموع عندما أعلنت عن بنود وشروط الاتفاق المصرى - الإسرائيلى. وكان حس الإثارة يتصاعد بينما يتواصل البيان».

يصف كتاب «لوس» ما حدث بعدها على أنه أقرب إلى فيلمين متوازيين. فى الفيلم الأول، الذى كانت أحداثه تدور فى واشنطن، كان الكونجرس ووسائل الإعلام العالمية تحتفى بـ«كارتر» باعتباره أستاذاً فى التفاوض وهو يقول: «طوبى لصانعى السلام»، مشيراً إلى «السادات» و«بيجين» وسط الصيحات والتصفيقات من كلا الحزبين الجمهورى والديمقراطى فى الكونجرس الأمريكى. أما فى الفيلم الثانى، فكان «بيجين» يحتفل فقط بالجزء الخاص بمصر وإسرائيل من الاتفاق. كان قد وافق على بند تتعهد فيه إسرائيل بعدم بناء مستوطنات جديدة فى الضفة الغربية وقطاع غزة خلال المفاوضات. وكانت تلك واحدة من المرات التى رأى فيها «كارتر» الوجه الحقيقى لـ«بيجين».

يحكى الكتاب أنه: «خلال مفاوضات «كامب ديفيد»، اعتبر «كارتر» ومعه كل الحاضرين، أن هذا التعهد بعدم بناء مستوطنات إسرائيلية جديدة فى الضفة الغربية وغزة يمتد ليشمل السنوات الخمس التالية من المحادثات حول الحكم الذاتى الفلسطينى. إلا أن «بيجين» أعلن أن تجميد بناء المستوطنات سيستمر لثلاثة أشهر فقط، وهى المدة المطلوبة لإنهاء المفاوضات حول التفاصيل النهائية للقسم الخاص بمصر وإسرائيل فى المعاهدة. كان هذا التحول صفعة لـ«كارتر» وكذلك للرئيس «السادات». كان عملاً ينم عن سوء نية واضح لم يغفره «كارتر» أبداً. وبعدها بأسابيع، عندما نال كل من «السادات» و«بيجين» جائزة «نوبل» للسلام، قال «كارتر»: إن «السادات» كان يستحقها، أما «بيجين» فلا. وأعرب كل من «موشى ديان» و«عزرا وايزمان» لـ«كارتر» و«بريجينسكى» عن شعورهما بالحرج من تصرفات بيجين».

ويواصل الكتاب: «إنه وفقاً لمذكرة كتبها «بريجينسكى» فى ٢٠ سبتمبر ١٩٧٨، اتصل به «سكوتى ريستون»، كاتب الرأى البارز فى صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية (الذى تجمعه به صلة وثيقة)، لتأكيد قصة خبرية بدأت تنتشر عن أن «السادات» كان قد حزم أمتعته واستعد للرحيل فى وسط المفاوضات، قبل أن يقنعه «كارتر» بالعدول عن ذلك من خلال تقديم وعود سرية له. وبما أن «بريجينسكى» لم يكن يملك أى فكرة عن التعهد الذى قدمه «كارتر» للرئيس المصرى، فقد أنهى المكالمة مع «ريستون» بحجة أن «كارتر» يتصل به. وأبلغ «كارتر» مستشاره «بريجينسكى» بعدها بتفاصيل مناقشته مع «السادات» والتى لم يعرف أحد ما دار فيها سوى زوجته «روزالين» وووزير خارجيته «فانس». وفى مذكرة تالية بتاريخ ٢١ سبتمبر ١٩٧٨، قال «بريجينسكى» إنه شعر بالتأثر من استعداد «السادات» لوضع ثقته فى «كارتر»، وقال للرئيس الأمريكى: «أنت تدرك أن معنى هذا أن عليك أن تكون حازماً للغاية فيما يتعلق بالمستوطنات (أى تفكيكها وعدم بناء مستوطنات جديدة فى الضفة وغزة)»، فرد عليه «كارتر» قائلاً: «أنا لم أفكر فى هذا الأمر، لكن هذا صحيح». وللأسف الشديد، فإن عجز «كارتر» عن وضع القسم الثانى من اتفاق «كامب ديفيد» (الخاص بالقضية الفلسطينية) موضع التنفيذ كان له دور فى اغتيال الرئيس «السادات» بعدها بثلاثة أعوام فقط».

ولكن أجراس الإنذار بدأت تدق بعد الاتفاقية بعام واحد فقط.

يحكى الكتاب أنه فى عام ١٩٧٩ كان «بيجين» فى طريقه لاستبعاد الجزء الخاص بفلسطين تماماً من اتفاقيات «كامب ديفيد». لم يكد يمر أسبوع دون أن يرد خبر عن بناء مستوطنة إسرائيلية جديدة، وكان «السادات» على وشك التخلى عن الاتفاقية كلها. وفى نهاية فبراير، قال «بريجينسكى» لـ«كارتر» إن هدف «بيجين» النهائى هو ضمان عدم إعادة انتخابه، ويحكى «بريجينسكى» فى مذكرة كتبها بتاريخ ٤ مارس عام ١٩٧٩ أن «بيجين» كان فى حالة معنوية رافضة خلال زيارته لواشنطن فى الأسبوع التالى، إلى حد أن «كارتر» قال: «لو لم يكن ضيفى لطلبت منه أن يخرج من منزلى بحق الجحيم!». كلما كان يأتى ذكر المسألة الفلسطينية كان «بيجين» يقول: «هذا ليس مكتوباً»، أو «نحن لن نوافق أبداً على هذا» أو «هذا أمر غير مقبول». وكان أقصى ما يمكن أن يسمح به هو تشكيل مجالس إدارية واهية فى الضفة الغربية وقطاع غزة. أما وجود مجلس تشريعى منتخب فكانت مسألة غير مطروحة للنقاش».

فى تلك اللحظة، يجعلنا الكتاب ننظر بعينى «بريجينسكى» إلى طريقة تفكير «بيجين». هو بالنسبة للعرب عدو، لكنه بالنسبة لمستشار الأمن القومى الأمريكى الأسبق كان مجرد سياسى آخر، يملك نقاط قوة وضعف. وعلى الرغم من أنه كان معترضاً على حس «بيجين» التخريبى للقسم الثانى من معاهدة «كامب ديفيد» نصاً وروحاً، إلا أنه لم يكن يملك، وفقاً للكتاب: «إلا الإعجاب بإرادة «بيجين» الحديدية». وقال «بريجينسكى» عن «بيجين» فى مذكرة كتبها بتاريخ ٢ مارس ١٩٧٩ إنه: «لا يوجد شك فى أن «بيجين» كان يعرف بالضبط ما الذى يريده خلال المفاوضات ولم يكن لديه استعداد للتنازل عنه. أما نحن، فإن أهدافنا تبدو أكثر غموضاً وإبهاماً، وتصميمنا أضعف».

وعلى العكس من زيارة «بيجين» التى أثارت أعصاب «كارتر»، كان «السادات» كالعادة هو الذى رفع من معنويات «كارتر»، كما ينقل الكتاب عن مذكرة لـ«بريجينسكى» بتاريخ ٦ مارس ١٩٧٩ كتب فيها أن الرئيس المصرى أبلغ «كارتر» أنه قادم إلى واشنطن وسيذهب للكونجرس للتنديد بما يفعله «بيجين». وشعر «بريجينسكى» بالرعب من أن انهيار «كامب ديفيد» يمكن أن يؤدى إلى زيادة تطرف العالم العربى وإلقائه مرة أخرى بين ذراعى السوفيت. كانت المملكة العربية السعودية قد أرسلت إشارات بالفعل تظهر استعدادها لإقامة علاقات دبلوماسية مع «موسكو». وكان الملك «حسين» ملك الأردن وقتها يقوم بتوبيخ «كارتر» علناً كلما سنحت له الفرصة. فى تلك اللحظة، استعاد «كارتر» تلك العزيمة التى كان قد أظهرها فى الصيف الماضى (خلال الإعداد لتوقيع المعاهدة)، وأعلن أنه سوف يزور القاهرة والقدس فى محاولة أخيرة لإنقاذ المعاهدة. وكان على «بريجينسكى» أن يذهب أولاً لاسترضاء «السادات».

تفاصيل تلك الزيارة أوردها «بريجينسكى» فى مذكرة كتبها بتاريخ ٢١ مارس ١٩٧٩ كما أوضح كتاب «لوس» قائلاً: «قضى «بريجينسكى» عدة ساعات مع «السادات» فى قصر القبة يتحدث معه عن تداعيات فشل اتفاق السلام. لم تكن هناك حاجة للضغوط أو لى الذراع، إذ إن «السادات» بحس المروءة العالى المعتاد لديه، أظهر أنه مستعد للغاية للاستجابة لمناشدات «كارتر». وركز «بريجينسكى» على المزايا التى يمكن أن تتدفق إذا ما عادت العلاقات بين مصر وإسرائيل، بما فى ذلك وجود علاقة دفاعية بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية بقيمة مئات الملايين من الدولارات سنوياً. وبعدها بأسابيع زاد «بريجينسكى» من المعونة العسكرية الأمريكية المقدمة لمصر من ٥٠٠ مليون دولار سنوياً إلى مليار ونصف المليار سنوياً لتقترب من ميزانية إسرائيل التى تصل إلى ٣ مليارات دولار».

ويتابع: «وهكذا أصبح ممكناً لرحلة «كارتر» أن تنطلق. وعلى مدى الأيام التالية، وعلى الرغم من استمرار غياب المرونة لدى «بيجين»، نجح «كارتر» فى لم أشلاء «كامب ديفيد» من جديد. ووفقاً لمذكرة «بريجينسكى» بتاريخ ١٢ مارس ١٩٧٩، قال «السادات» لـ«كارتر»: «أنت أخى، سوف أقدم مصالحك كما لو كانت مصالحى». وبعدها بأسابيع قليلة، وقع «السادات» و«بيجين» اتفاقية «كامب ديفيد» بمصافحتهما التاريخية فى البيت الأبيض. وقال «السادات»: «إن الطريق قد أصبح مهيأ الآن لإقامة دولة فلسطينية»، فما كان من وزير الدفاع الإسرائيلى وقتها «عزرا وايزمان» إلا أن تأوه وقال: «الآن سترون الطبع البولندى فى «بيجين» يعلن عن نفسه، وسيدحض ذلك الكلام». إلا أن «بيجين» فى هذا اليوم كان مثالاً للطف، ووجه المديح لكل من «كارتر» و«السادات»، وكان ما دار فى ذهن «بريجينسكى» وقتها هو: «إن السلام يمكن أن يكون معدياً». وحتى نهاية عمره، ظل «عزرا وايزمان» (أصبح فيما بعد رئيساً لإسرائيل) مقتنعاً بأن «كارتر» قد فعل ما لم يفعله أى رئيس أمريكى آخر لدعم أمن إسرائيل. صحيح أن «كارتر» قد انتزع أقل التنازلات من «بيجين» لكى يحصل على دعم «السادات»، إلا أن هذا كان كافياً بالنسبة للرئيس الأمريكى لكى يواصل السعى من أجل الحكم الذاتى الفلسطينى بحماسة متجددة».

لكن حماسة «كارتر» وحدها لم تكن كافية، لا لمنح الفلسطينيين حقوقهم، ولا لإقناع المعارضين للرئيس «السادات» أنه بذل كل ما فى طاقته دفاعاً عن القضية الفلسطينية.

ودفع الرئيس المصرى الوطنى، الذى وقف صامداً من أجل بلده فى وجه المعارضة والمقاطعة، ودافع عن أرضه وسعى لإعادة أرض جيرانه إلى أصحابها، ثمن شجاعته وشهامته باستشهاده على يد من لا يعرفون معنى الحق ولا الشجاعة ولا الشهامة.

رحم الله الرئيس «السادات»، بطلاً حياً فى القلوب وشهيداً عند ربه، رغم أنف كل من أساءوا إليه ولم يفهموه.


مواضيع متعلقة