من الصيدلة إلى رحاب الإبداع.. محمد فتحي عبدالعال: الكتابة العلمية صوت العقل.. ولا أؤمن بالمؤرخ البارد

كتب: ياسر الشيمي

من الصيدلة إلى رحاب الإبداع.. محمد فتحي عبدالعال: الكتابة العلمية صوت العقل.. ولا أؤمن بالمؤرخ البارد

من الصيدلة إلى رحاب الإبداع.. محمد فتحي عبدالعال: الكتابة العلمية صوت العقل.. ولا أؤمن بالمؤرخ البارد

فى حضرة قلم سيّال وفكر متوقد، شخصية استثنائية نسجت خيوطاً فريدة بين أروقة العلم، وسكينة الدين، وعمق التاريخ، وجماليات الأدب، الدكتور محمد فتحى عبدالعال، ابن محافظة الشرقية، الذى انطلق من صيدلة جامعة الزقازيق عام 2004 ليشق طريقه فى ميادين معرفية شتى، مُحصَّناً برصيد علمى ثرى ودبلومات متخصصة.

لم يكتفِ «عبدالعال» بصولجانه العلمى، بل أطلق العنان لملكاته الإبداعية، ليُقدم للقارئ العربى مكتبة زاخرة تضم ما يزيد على خمسة وعشرين مؤلفاً، تتراوح بين التأملات الفكرية والروايات الآسرة والمجموعات القصصية والمسرحيات الشيقة، شاهدة على غزارة إنتاجه وتنوع اهتماماته، ولاقت هذه الأعمال صدى واسعاً فى المحافل الثقافية العربية والدولية، وحصدت لصاحبها العديد من الجوائز.

فى هذا اللقاء، نفتح صفحات من مسيرة هذا المفكر والأديب الموسوعى، ونتجول فى حدائق أفكاره لنستكشف كيف يلتقى العلم بالدين، وكيف ينهض الأدب بالتاريخ، وما الرؤية التى تجمع هذا النسيج المعرفى الفريد فى عالمه.

■ تنوعت مؤلفاتك بين العلم والدين والتاريخ والأدب.. ما الفلسفة التى تحكم هذا التنوع؟ وهل ترى خيطاً ناظماً يربط بين ما تكتبه؟

- أردت أن أقدم للقارئ كتاباً جامعاً يغنيه عن التشتت بين المصادر، يجمع بين العلم والدين والتاريخ فى رؤية متكاملة، مبنية على انسجام معرفى لا تضاد فيه، لأن القارئ اليوم لا يملك رفاهية الوقت، ويبحث عن طرح شامل واضح الرؤية، وهذا ما سعيت إليه، مستفيداً من تراكمى المعرفى وتواصلى المستمر مع القارئ واحتياجاته.

■ فى كتابك «تأملات بين العلم والدين والحضارة» تناولت الإعجاز العلمى فى ضوء المكتشفات الحديثة.. ما جدوى هذا التناول اليوم، وما حدوده المنهجية؟

- الهدف كان تقويم هذا الحقل الذى كاد ينزلق إلى المبالغة والتكلف، عبر تحميل النصوص ما لا تحتمله. اعتمدت منهجاً عقلانياً يقوم على الربط المنضبط بين ظاهر النص والحقائق العلمية المؤكدة، وطرحت إمكانية إعادة النظر فى بعض الأحاديث الضعيفة إذا أيدها الواقع العلمى، دون التفريط فى قواعد التوثيق.

■ ما الدافع من تقديم قراءات مختلفة للغزوات الإسلامية فى «صفحات من التاريخ الإسلامى»، وهل واجهت انتقادات؟

- رغبت فى تجاوز السرد المثالى الذى يجرد الغزوات من بشريتها، ويعزلها عن سياقاتها، فالتاريخ ليس للتقديس، بل للفهم والتدبر، حيث قدمت قراءة تضع كل حدث فى إطاره، وتنأى عن النقل المجرد، وهو ما أثار بعض الاعتراضات، لكنه أمر طبيعى أمام أى طرح يعيد النظر فى المألوف.

■ فى «هوامش على دفتر أحوال مصر» استندت إلى أرشيف الصحافة.. كيف كانت تجربتك؟ وما الذى فاجأك أثناء التنقيب؟

- كانت تجربة ثرية، استغرقت أكثر من خمس سنوات بين فحص وتحليل لمئات الصحف والمجلات النادرة، عثرت خلالها على أحداث كبرى لم تنل حظها من الضوء، ولاحظت غياب صوت العامة عن السرد التاريخى الرسمى، رغم كونهم طرفاً فاعلاً فى المشهد. كما أعادت إلىّ الوثائق فهمى لكثير من الوقائع، التى كنت أرددها كغيرى دون تمعن، فوضعت نفسى مكان أصحاب القرار، ووجدتنى أحياناً، أختار ما اختاروه دون تردد، ومن هذه الرحلة تعلمت أن استدعاء الماضى لمحاكمة الحاضر دون وعى بسياق الزمن ليس سوى افتئات على الحقيقة وتزييف للوعى.

■ ظهرت بشخصية «محمد أفندى فتحى» فى كتبك الرمضانية.. هل كانت هذه القفزة إلى السرد الروائى مقصودة؟

- نعم، قصدت أن أكون جزءاً من الحكاية، لا مجرد راوٍ لها، أردت أن أعيش الزمن، لا أن أعلق عليه، أن أتحرك بين شخوصه، وأشاركهم اختياراتهم ومآلاتهم، فكلنا، فى النهاية، مادة للتاريخ الذى سيروى لاحقاً.

■ ما القصة وراء «شج رأس التاريخ»؟.. ولماذا اخترت هذا العنوان اللافت؟

- العنوان مقصود، لأنه يعبر عن محاولة جادة لكسر القوالب الجاهزة فى قراءة التاريخ، عبر كشف جذور الأزمات، وطرحها بجرأة أمام القارئ، لا لمجرد الصدمة، بل من أجل إعمال العقل والتحليل وفتح باب الحلول الممكنة.

كتبت «نوستالجيا الواقع والأوهام» لأكسر أسطورة الماضى المثالى.. والتاريخ بلا إنسان تمثال أجوف

■ يحمل كتابك «نوستالجيا الواقع والأوهام» بُعداً فلسفياً واضحاً.. هل نعدّك من أنصار الكتابة التأملية؟

- هذا الكتاب كان بمثابة جرس تنبيه للقارئ كى يتجرد من أسر الحنين غير الواعى، ذلك الحنين الذى يغلف الماضى بهالة مثالية لا تمت إلى حقيقته بصلة، سعيت فيه إلى تفكيك الصورة الذهنية الزائفة التى يرسمها البعض لأزمنة لم يعايشوها، ويتمنون عودتها كلما ضاقت بهم سبل الواقع، هو محاولة لكشف الفجوة بين الذاكرة المتخيلة والواقع المعيش، وتحرير الفكر من أسر الأوهام، نعم، أميل للتأمل كمنهج فكرى، لا كترف لغوى أو حالة وجدانية عابرة.

■ بين التاريخ والفكر الإسلامى والأدب.. أين تشعر أنك أكثر انتماء؟

- لا أستطيع الفصل بين هذه العوالم الثلاثة، فهى أضلاع المثلث الذى أقيم عليه بيتى الفكرى، وفيه أجد سكينتى وطمأنينتى، التاريخ يمنحنى الحكمة، والفكر الإسلامى يهذب رؤيتى، والأدب يمدنى بالنبض الإنسانى واللغة القادرة على لمس القارئ.

■ مسيرتك الأكاديمية شملت مجالات متعددة، من الصيدلة والعلوم الإسلامية إلى الجودة.. كيف تفاعل هذا التنوع مع أسلوبك فى الكتابة؟

- من الصيدلة تعلمت دقة الملاحظة، والربط بين السبب والنتيجة، وإعمال العقل قبل إصدار الأحكام، أما العلوم الإسلامية فقد منحتنى بوصلة أخلاقية أحتكم إليها، وميلاً فطرياً للبحث عن جوهر الأشياء لا قشورها، عن الإنسان قبل الظاهرة، أما دراستى للجودة فربتنى على الانضباط، وتقييم الأفكار بمعايير موضوعية، وهو ما أراه ضرورياً فى أى مشروع فكرى جاد.

■ فى «فانتازيا الجائحة» و«سبحات من عوالم كوفيد» رصدت الجائحة من أكثر من زاوية.. هل كانت تجربة مفصلية فى حياتك؟

- بلا شك «كوفيد19» لم يكن مجرد حدث صحى عالمى، بل تجربة كاشفة، صادمة، استثنائية بكل المقاييس، شعرت خلالها أننى مدفوع دفعاً للقيام بأدوار متعددة: المؤرخ، والمعلم، والطبيب، والحكّاء، كتبت بدقة الباحث، وأخلصت للحقيقة كما تجلّت فى الميدان لا فى النشرات، لم يكن هدفى توثيق اللحظة فحسب، بل تفسيرها وطرح أسئلتها الكبرى، لذلك، أعتبر هذه المرحلة منعطفاً فارقاً فى مسارى، أخرجتنى من دائرة الراصد إلى قلب العاصفة.

■ كيف تقيّم واقع الكتابة التاريخية فى العالم العربى؟.. وهل نغفل البعد الإنسانى فى السرد؟

- المؤسف أن كثيراً من السرد التاريخى العربى المعاصر ما زال يعيد إنتاج سرديات رسمية باهتة، تفتقر للنبض الإنسانى وتغفل أخلاقيات الفهم، التركيز دائماً على الصفوة والسلطة، بينما الغائب الأكبر هو «الناس»، هؤلاء الذين يصنعون التاريخ بدموعهم وصبرهم وأحلامهم الصغيرة، أؤمن بأن للتاريخ روحاً لا تُدرك بالأرقام والمعارك فقط، بل تُستحضر من معاناة المهمشين، وحكمة التجارب المجهولة، ومشاهد العدل والظلم التى تتكرر فى صمت، التاريخ بلا أخلاق يتحول إلى أرشيف بارد، وبلا إنسان يتحول إلى تمثال أجوف لا نخشع أمامه.

السيرة النبوية

أطمح إلى تقديم السيرة بأسلوب معاصر، يضىء زواياها الخفية، ويعيد تقديمها للقارئ العربى بروح جديدة تواكب احتياجاته وأسئلته، دون أن تُفرّغها من قدسيتها أو عمقها، أؤمن أن هذه المهمة آن أوانها، وأرجو أن تكون مفاجأة طيبة تستحق الانتظار.

1


مواضيع متعلقة