يعقوب صروف ومعركة دوران الأرض
فى عام 1876 نشر الكاتب اللبنانى يعقوب صروف، الذى انتقل إلى مصر، مقالاً حول قضية أثارت جدلاً ومعارك فكرية دامية بينه وبين المحافظين من رجال الدين، تعالت فيها أصوات التكفير، وسيوف الاتهامات بالخروج عن الدين، المقال كان فى مجلة «المقتطف»، تلك المجلة التى كانت معنية آنذاك بالتنوير ونشر كل ما هو جديد فى العلم، المقال عنوانه المفروض عادى جداً، العنوان «دوران الأرض حول نفسها، وحول الشمس»، لكن بمجرد صدور هذا المقال، وقراءة الناس لهذا العنوان، هاجت الدنيا وماجت، كيف يكتب صروف أن هذا الأمر «أصبح أشهر من نار على علم، وأوضح من الصبح لكل ذى عينين، وتحققت صحته لكل ذى عقل سليم يطالع ويفهم»، أيتهمنا هذا الصروف بالجنون؟ تحرك رجال الدين من كافة الأطياف، من المسيحيين والمسلمين، وتقدم الأب جبريل غبارة أرشمندريت الكرسى الأنطاكى فى بيروت بمقال يثبت فيه بالأدلة الدينية أن الأرض ثابتة لا تتحرك، وهاجمه المشايخ أيضاً وبعنف، اعتبروا أن ما يطرحه يعارض ظاهر القرآن وفهمهم لآيات مثل: «الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً»، «وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا»، على أنها تدل على سكون الأرض وثباتها، واعتبروا أن القول بدورانها يعنى تكذيب النص الإلهى، ولكن ساند رأى يعقوب صروف بعض المستنيرين من المدافعين عن رؤية العلم الحديث، مؤكدين أن دوران الأرض لا يعارض الدين، ويكتب محمد عبدالغنى حسن عن أحدهم وهو عبدالله فكرى ممثلاً لهذا التيار: «إن هذه الأطراف قد أجمعت على إحكام المناورة لتأييد قضية الموافقة بين العلم والدين حتى لا يتعطل بحركة المحافظين سير العلم الطبيعى وتقدمه فى البلاد العربية، التى كانت ولا تزال فى أشد الحاجة إليه»، تم اتهام يعقوب صرّوف بالترويج للفكر الأوروبى الملحد، قالوا إنه ينقل أفكار كوبرنيكوس وجاليليو داروين دون مراعاة الدين، اتهموه بأنه «يُغرّر بالشباب» و«يُفسد العقائد»، وقيل عنه إنه رجل كافر مأخوذ بسحر الإفرنج، لا يرى فى العلم إلا من الغرب، ودعا بعضهم إلى مقاطعة المجلة، ووصفوها بأنها «مملوءة بالضلالات»، وأفتى البعض بأن قراءة المقتطف تشوش الإيمان وتضعف اليقين، لكن يعقوب صروف كان رائداً فى مواجهته لأفكار التخلف، وكان على المستوى الإنسانى رقيقاً، ويصف العقاد «صروف» بقوله: كان مثلاً للطيبة الأبوية والوداعة الحكيمة، فلم يختلف شعورى بلقاه الأول بعد أن لقيته مرات فى مكتبه وفى داره وفى بعض المجالس الأدبية، ولم أرَه بعد ذلك على غير تلك الصورة التى شهدتها منه أول مرة! بساطة لا تخلو من تحفظ السمت والوقار وعاطفة أبوية يشمل بها كل من عرفوه من ناشئة الكتاب والدارسين، عتب علىّ أول الأمر أننى فاجأته بالدخول إلى مكتبه بغير استئذان، ولكنه عاد يستسمحنى حين أكدت له أننى طرقت الباب طرقاً خفيفاً لعله لم يسمعه وهو مستغرق فى القراءة، فقال مبتسماً: بل هو ثقل السمع يعترينى من حين إلى حين، فلا تؤاخذنى إذا عتبت عليك.
كان هذا وصف العقاد لصاحب «المقتطف»، فماذا عن «المقتطف»، كتب عنها الكاتب والمستشرق الأوكرانى أجاتنجل كريمسكى، الذى أقام فى الشام لسنوات نهايات القرن التاسع عشر: «كانت حقاً من أعظم وأهم المشاريع الثقافية فى مضمار التنوير العربى، وكانت مجلة من المستوى الراقى الرفيع لا تقل شأناً عن أفضل الدوريات الأوروبية»، وقال عنها مؤرخ الصحافة العربية فيليب دى طرازى: «إن مباحثها تناولت كل فن ومطلب، بحيث لو جمعت موادها العديدة على ترتيب حروف الهجاء لتألفت منها دائرة معارف أو قاموس كبير يرجع إليه الباحثون فى فروع العلوم المختلفة، فإذا أرادوا معرفة ما قيل عن عمر الأرض مثلاً، قالوا هلم إلى مجموعة «المقتطف» لنرى فيها ما كتب عن هذا الموضوع، وهكذا قل عن سائر المواضيع العلمية والأدبية والصناعية والتاريخية والتجارية والزراعية والفنية والآثار القديمة والاكتشافات الحديثة والاختراعات العصرية وتراجم المشاهير»، واعتبرها المفكر والأديب شكيب أرسلان الأنسكلوبيديا الشرقية الكبرى والمعلمة العربية الطولى التى يستضىء بها القارئ العربى فى ظلمات المشكلات العقلية والغوامض الفكرية، ويقول الكاتب محمد سعد عبدالحفيظ: «سبقت «المقتطف» فيما قدمته من أبحاث ومسائل علمية العديد من الجامعات ومراكز البحوث العربية، وطرقت القضايا والملفات المسكوت عنها فى قاعات البحث وتعرضت بسبب ذلك إلى انتقادات حادة إلا أن ذلك لم يثنها عن فتح أبوابها للعلماء والمفكرين والأدباء من مختلف المدارس والاتجاهات، فمر عليها شبلى شميل وطه حسين والعقاد والمازنى والرافعى وأحمد لطفى السيد، فضلاً عن مئات العلماء من الغرب والشرق، الذين ترجمت المقتطف أبحاثهم ودراساتهم، وهو ما جعلها أقرب إلى جامعة علمية يحملها القارئ بين يديه فيطل منها على علوم الدنيا».