عرائس إسطنبول (3)

بعض شخصيات رواية «عرائس إسطنبول» للكاتب على الصاوى تتملكهم روح الانتقام، ويمارسون نوعاً من التشفى والشماتة والنكاية، فتبهجه أى مصائب وابتلاءات وصعوبات وأزمات يواجهها المصريون فى الداخل، ويعدها انتقاماً إلهياً، أو يرى فيها ثقباً من الممكن أن تمرق منه تطلعاته إلى العودة، أو يراها سلوى تبرر له ما أقدم عليه حين هرع إلى المنفى.

ويوجد بينهم من لا يروق له هذا الحنق، ويضاهى بين ما يراه فى المنفى وما يجرى فى الداخل، فيدرك حجم خطئه حين حزم أمتعته وسافر بعيداً. وبينهم أيضاً الذى ظل قابضاً على الجمر، ولم ينجرف إلى فخاخ دهاقنة السياسة وقادة التنظيمات ومن تسيطر الأيديولوجيات المصمتة على عقولهم، ومنهم من روَّعه حجم التناقض بين ما يعتنقه وما تصوره عن الآخرين الذين كان يمضى خلفهم مستتبعاً راضياً وبين ما عاينه فى الواقع من مآسٍ، مثل الشاب «أيوب صابر» الذى أدرك أن سر عذابه كامن فيما يعتنقه من أفكار، وأنه بات مجرداً فى غربته من أى حقوق اجتماعية أو إنسانية.


بدا «صابر أيوب»، الذى يبلغ عمره خمسة وعشرين عاماً، أمثولة أو نموذجاً لكثيرين من الشباب الذين خطفهم المنفى، فهو لم يكمل دراسته الجامعية، جراء انتمائه السياسى، واعتقد أن هذا الانتماء كفيل بحمايته، فوجد نفسه يقف وحيداً فى مواجهة مشكلات معقدة أكبر من قدرته على تخطيها، فعاش مأساة عميقة، لم يستطع منها فكاكاً.
على النقيض من هذا الشاب الحالم، هناك كبار من الحواة الذين يعرفون كيف تؤكل الكتف، الذى تقدمه الرواية فى صورة كريهة، ربما يلخصها ما قاله لخليلته نبيلة الدرينى، حين أدهشها تحايله وكذبه وتناقض ممارساته مع خطابه: «تلك هى طبائع الأمور هنا يا نبيلة، فكلنا عرايا أمام بعضنا ونظن أننا مستورون، فلا تكترثى بكلامى وقومى بنا نأخذ هدنة من هذا العالم، ونمارس طقوس اللذة الجسدية فما أجملها حين تكون فى حضرة حسناء مثلك، مثيرة ومغامرة وتبحث عن إرواء عاطفى ودفء روحى فى برد الغربة»، ويقول لها: «لا تقلقى فغايتنا واحدة ولا أحد يعرف ماضيك سواى، فأمثالك يُعمّرون فى مثل هذه الأوساط، فتلك البيئة لم تُخلق من الأساس إلا لأمثالك وأمثالى وأمثال مَنْ نعمل معهم، وقلما تجدين فيها مكاناً لشريف أو وطنى».


يبدو الراوى العليم هنا حريصاً على تسجيل كل ما يجرى حوله، ليس فقط فى عالم الرجال الذين يعرفهم عن كثب، إنما أيضاً نسوة توزَّعن على أدوار مختلفة، واتجاهات متعددة، ومصائر متنوعة، فهناك المرأة التى اعتصمت بكل قيمة إيجابية تؤمن بها، وواجهت قسوة الحياة بصبر، وهناك على النقيض تلك التى وظفت أنوثتها فى تحصيل رزق أو دور أو حماية، وهناك التى صمدت بعض الوقت، لكنها انهارت أمام ظروف متغلبة.
يبدو الراوى العليم حريصاً على تبرئة نفسه مما يجرى، وكأنه مصور يقف خلف عدسة كاميرته صامتاً، يلتقط الكثير مما يجرى حوله، خاصة من البارزين الذين يتعلق الصغار بهم ويعتقدون فى نضالهم من أجل الحرية والعدل. وقد يكون دافع هذا الراوى لفضح مَن حوله هو الانتقام منهم، أو تقبيح صورتهم ووضعها أمامه كى يكرهها، ويتفادى أن ينضم إليها يوماً ما.


كرَّست الرواية عالمها أو فضاءها الاجتماعى أو سياقها على ما يجرى فى المنفى، ولم تقدم على موازنة أو مقارنة بين عالمين، مثل رواية «إسطنبول 2020.. رواية بين دولتين»، التى جرت أحداثها بين مدينة «طنطا» المصرية، و«إسطنبول» التركية، وشخَّصت واقع الإعلام المصرى الذى يبث من الخارج، وبينت بعض مثالبه ومعايبه، وما يعانيه شباب التحقوا به بحثاً عن فرصة للتحقق والتقاط الرزق.


تبدو الرواية فى خاتمة المطاف شهادة جارحة على أحوال المنفيين أو الهاربين فى بلاد الناس، اتقاء سجن أو مطاردة، فإذا بما ذهبوا إليه أشد قسوة على البعض منهم مما تركوه خلف ظهورهم، فهم لا يعانون فقط من ضيق الرزق، ولا التهميش الذى يواجهه الوافد واللائذ والغريب، إنما من الصدمة الشديدة فيمن كانوا يعتقدون أنهم أصحاب ثقة وهمة ومصداقية ونخوة، فإذا بهم يعيشون فى مستنقع الكذب والوصولية والتكسب بالسياسة والأنانية والتبجح، إذا لزم الأمر، فى وجه الذين يذكرونهم بماضيهم، أو يطالبونهم بالوفاء بوعودهم.


تبقى أهمية هذه الرواية فى الشهادة التى تقدمها حول حياة مصريين فى المنفى، نظراً لندرة المعلومات عنها. فهناك من يقاسى صامتاً، وهناك من يبوح لمن هو فى مثل حاله، ولا يخرج سره إلى ما هو أبعد خوفاً من شماتة أو عقاب إن وصلت شكواه إلى من يتحكمون فى تسيير الأمور بالمنفى، لا سيما بعد أن انقطعت به السبل.


ولذا تظل أى كتابة عما هو مخفى أو منسى فى المنافى مهمة جداً، ليس لأنه محك اختبار للفصام بين قول وفعل بعض الشخصيات أو التنظيمات فقط، لكن أيضاً لأنه يقدم حالة لاختبار مدى ارتباط المصرى ببلده وهو فى الغربة، واختبار آخر للتصور الذى يعشش فى العقل الجمعى للمصريين وهو أن الغربة فضاحة، أو فرصة لإظهار الطبائع الحقيقية للبشر، والتى يمكن أن يخفوها سنوات طويلة بين أهلهم فى بلدهم.