أشرف غريب يكتب: محمود المليجي.. الغول

كتب: أحمد فكري

 أشرف غريب يكتب: محمود المليجي.. الغول

أشرف غريب يكتب: محمود المليجي.. الغول

فى برنامجه التليفزيونى الشهير «أوتوجراف» سأل المذيع طارق حبيب ضيفه الفنان محمود المليجى عن أغلى أمنياته بعد أن وصل إلى هذه المرحلة العمرية والفنية، فأجابه الرجل على الفور: أتمنى أن أظل أُمثِّل حتى آخر يوم فى عمرى، ويبدو أنه كان من مستجابى الدعوة، فقد ظل المليجى يؤدى رسالته فى فن التمثيل حتى آخر نفَس فى حياته، إذ توفى فى مثل هذه الأيام، وبالتحديد فى السادس من يونيو 1983، وهو يمثل دوره أمام الممثل عمر الشريف فى فيلم «أيوب» محققاً أمنيته بأن يبقى قادراً على العطاء حتى آخر يوم فى حياته. ويلفت الانتباه فى مشوار الفنان الكبير المولود عام 1910 أن علاماته الأكثر وضوحاً التى تعلق بذاكرة المشاهد كانت بعيداً عن أدوار الشر التى اشتهر بها، بداية من دور شقيق الزعيم الوطنى مصطفى كامل سنة 1952، ثم الأب السكير المغلوب على أمره والد المطرب عبدالحليم حافظ فى فيلم «أيام وليالى» سنة 1955، والطبيب المعالج لعبدالحليم أيضاً فى «حكاية حب» عام 1959، والمحامى الفرنسى المدافع عن المناضلة الجزائرية «جميلة»، ومحقق شركة التأمين فى فيلم «من أجل امرأة»، والطبيب النفسى الذى يعالج البطلة (سعاد حسنى) من الفصام فى فيلم «بئر الحرمان» سنة 1969، وصولاً إلى درة أدواره على الشاشة وأكثرها خلوداً على الإطلاق فى فيلم «الأرض» سنة 1970 من إخراج يوسف شاهين الذى كان المليجى قاسماً مشتركاً فى غالبية أفلامه.

لم يكن محمد أبوسويلم، بطل «الأرض»، مجرد فلاح بسيط يعانى الفقر والقهر فى ثلاثينات القرن الماضى، وإنما كان تجسيداً لحالة شعب تحت وطأة الاستعمار وفساد القصر، ومع ذلك فهو شديد الاستمساك بمبادئه وقيمه وأرضه التى من الممكن أن يدفع حياته ثمناً للدفاع عنها، وكان محمود المليجى، بحضوره وأدائه الرصين وملامح وجهه، معبراً بصدق عن تلك المعاناة المتجددة التى يعيشها المواطن البسيط، وربما كانت عبقرية الأداء هذه وراء السحر الخاص الذى يلازم هذا الفيلم فى كل المهرجانات الدولية، وربما كانت أيضاً الدافع وراء إطلاق لقب «أنتونى كوين الشرق» على محمود المليجى، أما زملاؤه، والذين وقفوا أمامه أو حتى أداروه إخراجياً، فكانوا يسمونه «الغول»، بل إن مخرجاً مثل يوسف شاهين كان يقول إنه يخاف النظر فى عينيه وهو يمثل من كثرة اندماجه فى الشخصية.

ولم يكن المشوار سهلاً أمام الرجل الذى ظل ما يزيد على نصف قرن فى خدمة فن التمثيل، فقد بدأ شغفه بالفن طفلاً، حيث وجد نفسه دون أن يدرى مشدوداً إلى التمثيل باحثاً عن العروض التى كانت تقدمها بعض الفرق على المسارح المتجولة، حتى إذا ما التحق بالمدرسة الخديوية الثانوية بحث عن فريق التمثيل بها والذى تناوب على تدريبه والإخراج له عمالقة المسرح المصرى ورواده جورج أبيض وعزيز عيد وفتوح نشاطى، ويحكى المليجى عن هذه الفترة واقعة كادت تغير مسار حياته حين قال له عزيز عيد أكثر من مرة إنه لا يصلح للتمثيل وعليه البحث عن طريق آخر، ما كان يدفعه إلى الحزن وأحياناً البكاء، وفى اللحظة التى همَّ فيها بالاعتراض على أستاذه فوجئ بعزيز عيد يقول له إنه كان يختبر إصراره على الاستمرار فى هذا المجال وإنه بالفعل ممثل موهوب، بل وسعى إلى ضمِّه إلى فرقة زوجته السيدة فاطمة رشدى بداية من عام 1930، واستمر المليجى يرتقى فى أدواره إلى أن لعب أدوار البطولة أمام صاحبة الفرقة حتى تم حل الفرقة، فانتقل للعمل مع فرقة رمسيس، حيث أعاده صاحبها يوسف وهبى خطوات إلى الوراء فى الأدوار الثانوية والمساعدة، بل إنه كان يقوم أحياناً بمهمة الملقن فى العروض التى لم يكن يمثل فيها، وهو ما كان يثير فى نفسه شجوناً حول الطريق الذى يجب عليه أن يسير فيه.

لكن يد فاطمة رشدى، شديدة الإيمان بموهبة المليجى، قررت انتشاله من أحزانه، فأحدثت له النقلة الكبرى التى فتحت له أبواب الشهرة والنجومية حين أسندت له دور البطولة أمامها فى فيلم «الزواج» سنة 1933، من إنتاجها وإخراجها، وهو لم يُكمل بعد عامه الثالث والعشرين، ليبدأ المليجى مشواره السينمائى الزاخر والذى قدَّم من خلاله نحو 350 فيلماً جعلته أكثر ممثل معروف فى تاريخ السينما العربية يقف أمام كاميراتها، متفوقاً حتى على فريد شوقى وأمينة رزق اللذين كانا أطول منه عمراً فى الفن وفى الحياة.

ولعب المليجى فى مرحلة البدايات مجموعة من الأدوار الصغيرة، ربما كان أبرزها فى أفلام: وداد، ليلة ممطرة، قلب امرأة، عريس من إسطنبول، لكن عام 1944 وبالتحديد فى فيلم «شهداء الغرام» للمخرج كمال سليم بدأ مشاهدو السينما يتعرفون على الملمح الأول لشخصية محمود المليجى التى عُرف بها بعد ذلك، وهى شخصية الرجل الشرير التى ألح عليها كثيراً فى أفلامه حتى حظى بلقب «شرير الشاشة» وإن أُخذ عليه وقوعه فى أسر الاختيار النمطى لشخصية الشرير، ربما بحكم طبيعة الفترة الزمنية التى سيطرت فيها قصص التراجيديا والميلودراما على موضوعات أفلام هذه المرحلة، وبما أنه ليست هناك فواجع تراجيدية أو ميلودرامية بدون وجود رجل شرير يدبر المكائد ويثير الفتن والأحقاد ويغوى السيدات ويقتل الشرفاء فقد وجد المليجى لنفسه مكاناً دائماً فى أفلام هذه الفترة، وهذا يفسر زيادة الطلب عليه ووصوله إلى هذا العدد الضخم من الأفلام حتى إنه كثيراً ما كان يقدم أكثر من عشرين فيلماً فى العام الواحد.


مواضيع متعلقة