«سوكولوف» وزير إعلام الإخوان
كانت واحدة من أهم المعارك الانتخابية التى شهدتها مصر فى تاريخها النيابى بشكل عام، وفى تجربة التعددية الحزبية الثانية التى بدأت عام 1976 على وجه الخصوص، إنها الانتخابات البرلمانية التى جرت وقائعها عام ألفين وخمسة، وانتهت بأن حصد تنظيم الإخوان ثمانية وثمانين مقعداً من أصل أربعمائة وأربعة وأربعين مقعداً.
كانت المرة الأولى التى يحصد فيها تنظيم الإخوان هذا العدد الكبير من النواب، وقد فرض ذلك على التنظيم اتباع آليات تنظيمية وحركية جديدة ومتنوعة، من أجل تحقيق أكبر قدر من الاستفادة من هذا الحضور البرلمانى غير المسبوق، واستثماره فى السنوات المقبلة لاستكمال خطة التمكين طويلة المدى التى كان التنظيم يعمل على تنفيذها.
فى أعقاب هذا النجاح، وبعد جلسة حلف اليمين الدستورية، جاءنى اتصال تليفونى من القيادى بالجماعة الدكتور عصام العريان، وبعد عبارات السلام والتحية والإشادة بعملى ومهنيتى التى شكرته عليها، قال الدكتور العريان: «أستاذ سمير، عايزينك فى خدمة مهنية، انت عارف إن الإخوان أصبح لديهم 88 نائباً فى مجلس الشعب، وطبعاً كثير ممن نجحوا فى الانتخابات يدخلون البرلمان لأول مرة، وهم بحاجة لتدريب على مهارات التحدث فى وسائل الإعلام وإدارة الحوارات التليفزيونية وغيرها من هذه المهارات التى يفتقرون إليها، واحنا فكرنا فى أن نُخضعهم لبرنامج تدريبى فى هذا المجال، واخترناك للمساعدة فى تدريبهم، إيه رأيك؟».
وعلى الرغم من المفاجأة التى أحدثها طلب الدكتور العريان، إلا أننى رددت بسرعة وبوضوح: وما الذى يدفع جماعة الإخوان إلى التفكير فىَّ أنا بالذات؟ ولماذا لم تلجأوا لكوادركم الإعلامية لتنفيذ هذا التدريب، فهم أولى منى بالتأكيد، وسيكون الانتماء التنظيمى المشترك عاملاً مهماً فى تنفيذ المطلوب، كما أننى أعمل فى مؤسسة إعلامية دولية، ولا ينبغى أن أكون منخرطاً فى مثل هذا النوع من الأنشطة ذات الطبيعة السياسية.
فردّ الدكتور العريان، أولاً: لا تحمل هم المؤسسة التى تعمل معها، فسنتولى نحن ترتيب الأمر معهم!
ثانياً: نحن نريد أن يكون المسئول عن التدريب شخصاً من خارج التنظيم ليكون التدريب قائماً على المعايير المهنية البحتة بغض النظر عن الانتماء التنظيمى.
لم أرد الاسترسال فى مناقشة العرض، وشكرت العريان وأخبرته بأننى لا أستطيع القيام بذلك لاعتبارات عديدة، حتى لو رتبتم الأمر مع جهة عملى، وأنهيت المكالمة.
علمت بعد هذه الواقعة أن زميلاً آخر من خارج التنظيم تولى المهمة، لكن المثير فى هذه الواقعة أنها أعطتنى أولاً دليلاً إضافياً ومؤشراً مهماً على إدراك تنظيم الإخوان لأهمية الإعلام، والحرص على استثمار علاقات أعضائه بالعاملين فى هذا المجال لأقصى حد من أجل خدمة أهداف التنظيم، وأخبرتنى ثانياً أن أداء الإخوان الحركى والتنظيمى سيشهد تحولات مهمة فى السنوات المقبلة، وهو ما حدث بالفعل.
والإعلام فى فكر تنظيم الإخوان هو واحدة من أهم الركائز التى اعتمد عليها مؤسس التنظيم حسن البنا، سواء فى سنوات ما قبل تأسيس التنظيم عام 1928 أو ما تلاها فى سنوات التأسيس الأولى، حين كان يستخدم وسائل الاتصال المباشر فى جولاته على المقاهى، ثم تطورت الآليات بظهور وسائل الإعلام التابعة للتنظيم من صحف ومجلات، بل ووسائل بث إذاعى سرية فى حقبة الإذاعات الأهلية التى عرفتها مصر مطلع ثلاثينات القرن الماضى، وحتى ظهور الفضائيات والإعلام الرقمى، ومنصات التواصل الاجتماعى وما بات يُعرف باللجان الإلكترونية.
ومع التسليم بأن خطط التنظيم الإعلامية كانت تختلف باختلاف المراحل الزمنية، وارتباطها بالظروف الذاتية والموضوعية الحاكمة لأداء التنظيم بشكل عام، فإننا يمكننا اكتشاف العناصر الرئيسية التى بنى عليها التنظيم خططه للدعاية والترويج الإعلامى.
من بين هذه العناصر: فكرة الفسطاطين، فسطاط الإيمان الذى تمثله الجماعة وأعضاؤها، وفسطاط الكفر الذى يمثله معارضو الجماعة غير المؤمنين بأفكارها ومبادئها، وهى الفكرة التى أرساها حسن البنا، ثم تطورت بفكرة «الاستعلاء بالإيمان» التى صكها سيد قطب فى غير سابقة فقهية، والتى تطورت بعد ذلك مع كل التنظيمات الجهادية، بداية من شكرى مصطفى وحتى البغدادى والجولانى ومن سار على دربهم ليصبحوا هم دون غيرهم الفرقة الناجية الناطقة بالحقيقة المطلقة.
ومن بين تلك العناصر أيضاً: فكرة المظلومية والاضطهاد التى يواجهها أعضاء الجماعة من «النظم الكافرة والطواغيت»، لا لشىء إلا لأنهم يطالبون بتطبيق «شرع الله»، وطبعاً المظلومية هنا تتخطى فكرة الاضطهاد من النظم الحاكمة لتصل إلى «الشعب» الذى شهد اضطهاد الإخوان ولم ينتفض لنصرتهم.
كما أنه من بين تلك العناصر الحاكمة لأداء تنظيم الإخوان الإعلامى فكرة: الكذب وقلب الحقائق، والتى يتحول الكذب الإخوانى على أساسها من العادة المذمومة إلى العبادة المحمودة، ولا مانع لدى الإخوان وفق هذا المبدأ من تكريس كل وسائل الإعلام المتاحة لديهم من أجل الترويج لكذبة أو شائعة لعدة عقود، ما دام ذلك يخدم أهدافهم، ولعل ما قاله كبيرهم فى هذا المجال «يوسف ندا» لهو خير دليل على إيمانهم الراسخ بهذا المنهج المعوج، سواء فى واقعة محاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر عام 1954، التى ظلوا يرددون أنها تمثيلية حتى اعترف قادتهم بالجريمة بعد نحو نصف قرن من الواقعة، أو الوثيقة -المزورة باعترافهم لاحقاً- الخاصة باعتقالات الإخوان وتعذيبهم وتشريد أسرهم فى الستينات، أو ما تلا ذلك من حرب الأكاذيب والشائعات التى يشنونها دون توقف منذ الإطاحة بحكمهم.
القائمة طويلة، لكننا سنكتفى فى هذا العرض بتلك الركائز الثلاث: تصوير أنفسهم باعتبارهم الفرقة الناجية، والمظلومية الدائمة، والكذب واختلاق الوقائع ونشر الشائعات.
ناحوم سوكولوف وتنظيم الإخوان
ناحوم سوكولوف هو واحد من أهم قادة الحركة الصهيونية، ويلقبه كثيرون بأنه المؤرخ الرسمى للحركة الصهيونية، فهو صاحب الفضل الأهم فى إحياء اللغة العبرية بل وتحديثها، وهو من ترجم كتابات تيودور هرتزل للعبرية، وهو أيضاً أول من أدخل مصطلح «هاسبارا» إلى المفردات الصهيونية، وهاسبارا هى المرادف العبرى للمصطلح اللاتينى «بروباجندا».
أدرك «سوكولوف» الأثر السلبى لمصطلح البروباجندا أو الدعاية المباشرة، فاخترع «هاسبارا»، وهى تعنى فى اللغة العبرية «الشرح أو التوضيح»، وبنى سوكولوف خطط الدعاية الصهيونية على هذا المبدأ، وزعم أن ما يقوم به ليس بروباجندا دعائية للصهيونية، بل هو شرح وتوضيح لأهداف الحركة من أجل بناء صورة ذهنية إيجابية للصهيونية خارج الأوساط اليهودية، وعلى يديه تحولت «هاسبارا» إلى منهج وأسلوب واستراتيجية إعلامية مكتملة الأركان تنفذها مؤسسات وشركات إسرائيلية داخلياً وخارجياً.
لكن ما هى الأسس التى ركز عليها سوكولوف فى وضع استراتيجيته «الهاسبارية»؟
أولاً: الترويج لفكرة أن معارضة «إسرائيل» تنبع من معاداة اليهودية كديانة، ومعاداة السامية بالطبع.
ثانياً: الترويج لفكرة المظلومية الدائمة، وأن إسرائيل هى ضحية تعيش فى وسط ملىء بالكراهية.
ثالثاً: الترويج لفكرة أن أى يهودى يعارض «إسرائيل» هو يهودى كاره لنفسه.
رابعاً: الكذب واختلاق الوقائع ركيزة أساسية فى الدفاع عن الجماعة اليهودية، هذا إلى جانب آليات ووسائل أخرى اعتمد عليها سوكولوف فى تجميل صورة الصهيونية القبيحة.
نشر سوكولوف أفكاره ووضع خططه الدعائية لخدمة الحركة الصهيونية من بدايات القرن العشرين وحتى منتصف الثلاثينات، حيث نشر آخر كتاباته «أحباء صهيون» عام 1934.
وفى عام 1936 توفى ناحوم سوكولوف فى لندن، ثم نُقل رفاته للدفن فى جبل هرتزل الواقع فى غرب مدينة القدس، حيث مقابر قادة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل، لكن أفكاره وخططه الدعائية صارت مؤسسات إعلامية وأجهزة أمنية وشركات دعاية وعلاقات عامة فى دول مختلفة، تعمل على ترسيخ الصورة الذهنية الإيجابية لإسرائيل.
وقد تعرضت «هاسبارا» سوكولوف بعد جرائم إسرائيل الوحشية فى فلسطين فى أعقاب السابع من أكتوبر 2023 لضربات قاصمة على يد الصمود الأسطورى للشعب الفلسطينى، وعلى يد آليات الرد الإعلامى التى استخدمها المدافعون عن عدالة القضية الفلسطينية من شتى أنحاء العالم لكشف الأكاذيب التى تروجها إسرائيل عن نفسها.
لكن الشىء المهم فى هذا السياق، هو هذا التطابق المثير الذى يكتشفه المرء حين يراجع الأساليب والأساسيات التى ابتكرها سوكولوف فى الدعاية الصهيونية، والركائز التى اعتمدها تنظيم الإخوان فى مخططاته الإعلامية، فالأسس واحدة تقريباً، مع استبدال الصهيونية بتنظيم الإخوان، فعند الصهاينة «شعب الله المختار» وعند الإخوان «فسطاط الإيمان والفرقة الناجية».
وعند الصهاينة «الضحية التى تعيش فى وسط ملىء بالكراهية» وعند الإخوان «المظلومية والاضطهاد من الحكومات والشعوب التى لم تنتفض لنصرتهم».
وأخيراً وليس آخراً: الكذب واختلاق الوقائع وبث الشائعات، تلك أسس شكَّلت منهجاً مشتركاً وأسلوب عمل متفقاً عليه.