لماذا «عرفة»؟
هناك حديث شهير عن النبى، صلوات الله وسلامه عليه، يقول فيه «الحج عرفة». وفى حوار أجرته الإعلامية الراحلة «آمال العمدة» مع الشيخ محمد متولى الشعراوى قال إن عرفات جمع عرفة، ومعنى عرفة أن يعرف الإنسان قدره فى الكون. هذا التعريف -من وجهة نظرى- هو الأشد دلالة على عظمة هذا اليوم.
يقول الشيخ الشعراوى إن عظمة «عرفات» تتعلق بأنه اليوم الذى تتجلى فيه عظمة العبودية لله، حين يتجمع بشر من أجناس متنوعة، وذوى لغات وألوان متعددة، ومن بيئات مختلفة، ومن هيئات متباينة، يتجمع هذا الشتات فى صعيد واحد هو صعيد عرفات، وفى سياق عبودى واحد هو سياق العبودية لله الواحد الأحد. إنه الجمع الذى يذوب فيه الإنسان، حيث يعلم أن الله واحد، وإن إله البشر واحد، وأن أقدار البشر كلها مهما تفاوتت تلتقى فى ذل العبودية.
يوم عرفة إذن هو اليوم الذى يدرك فيه الإنسان جوهر حقيقته وقدره فى الكون العريض الذى نعيش فيه. فالإنسان ذرة ضعيفة فى بحر بشرى كبير، وهذه الذرات المتشتتة فى لغتها وألوانها وبيئاتها ومواضعها الاجتماعية تظل كذلك حتى تدرك حقيقة عبوديتها لله، حينئذ لا بد أن تلتحم مع غيرها فى كل متكامل متساند، وتلك هى عبقرية الحج وعبقرية يوم عرفات.
نحن أمام حالة مغناطيسية عجيبة قدّرها الخالق العظيم لتلك البقعة من الأرض، بمجرد أن فرغ نبى الله إبراهيم من بناء البيت العتيق، وذلك فى التوجيه الإلهى الذى تشتمل عليه الآية الكريمة التى تقول: «وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق».. تخيل هذا المشهد القدسى الذى ينطلق فيه النداء العلوى للفرار من الواقع نحو بيته الحرام فينطلق الناس من كل حدب وصوب ومن كل الفجاج ساعين ملبين النداء ومعلنين ذل العبودية لله تعالى.
وتتكرر الحالة المغناطيسية من جديد «يوم عرفة» ذلك الجبل الذى ينفر إليه كل زوار البيت الحرام فى موعد محدد ليلتقى الجميع على صعيد واحد هو صعيد الجبل المقدس، فى ملابس واحدة، وبهيئة متحدة، وبنداء واحد، الكل خاضع لله الواحد الأحد، وزاهد فى دنياه، وذائب فى تلك المشاعر العلوية التى تشده باستمرار إلى السماء. إنها لحظات قدسية تؤكد فكرة الالتقاء ما بين البشر تحت ظلال العبودية لله، لحظات يتعرف فيها البشر على حقيقة أنفسهم كذرات متشتتة فى هذا الكون العريض، إنها اللحظات القدسية التى يتذكر فيها البشر أن الله تعالى جامع الناس ليوم لا ريب فيه، اللحظات القدسية التى يدرك فيها البشر أن حب الإنسان لأخيه الإنسان هو السبيل الوحيد لخلاص البشرية، اللحظات القدسية التى يستعيد فيها البشر ذكرى ذلك اللقاء الخطير الذى جمع بين أبينا آدم وأمنا حواء فوق هذه البقعة المباركة بعد أن تاها من بعضهما البعض عقب نزولهما إلى الأرض، إنها اللحظات القدسية التى يتذكر فها الناس الحقيقة الخالدة.. حقيقة أننا جميعاً لآدم.. وآدم من تراب.