سميحة أيوب أسطورة المسرح العربي
ودعت جماهير المسرح سميحة أيوب، التى رحلت عن عالمنا فجأة وعمرها 93 عاماً. وكانت حياتها فصولاً من الإبداع الفنى للمسرح والسينما والتليفزيون والإذاعة. خصصت خلال رحلة فنية تجاوزت 77 عملاً. عرفتُها عندما كنتُ أتردد على منزل المرحوم سعد الدين وهبة زوجها، والرجل الذى قدم لجيل الستينات وللأجيال الأخرى ما لم يقدمه أحد من العطاء غير العادى.
ومنذ أن رأيتها أول مرة حتى مرضها كنا نقول عنها سيدة المسرح العربى. جاءت للدنيا فى 8 مارس 1932، ورغم أن الاقتراب من فن التمثيل فى ذلك الوقت كان أمراً صعباً إلا أنها صممت عليه وتتلمذت على يدى زكى طليمات الذى كان يُقال عنه عميد المسرح العربى، وشاركت فى العديد من الأعمال البارزة خلال خمسينات القرن الماضى، مثل: شاطئ الغرام 1950، وورد الغرام 1951.
قدمت عروضها على المسرح القومى، وتولت إدارته بحسم وروح فنية مرتين. كما أدارت المسرح الحديث الذى اعتبرت أن إدارتها له ترقى لمستوى شهادة فنية. قدمت خلال عمرها الفنى أكثر من 170 مسرحية من بينها: الأيدى الناعمة، كسبنا البريمو، تلميذ الشيطان، كوبرى الناموس، سكة السلامة. وقد عرفها الوسط الثقافى المصرى بعد ارتباطها بسعد الدين وهبة المثقف الكبير والكاتب المسرحى المعروف، والرجل الذى قدم الرعاية الكاملة لأجيال ثقافية مصرية وعربية.
ورغم أنها عُرِفت كممثلة مسرح، إلا أنها قدمت فى السينما المصرية حوالى 50 فيلماً سينمائياً، جسدت من خلالها الأنماط الإنسانية، ومن هذه الأفلام: آلام السيد المسيح 1938، والوحش 1954، وبين الأطلال 1959، ولا تطفئ الشمس 1961.
لحظة أن عرفت بوفاتها بحثتُ كثيراً عن الكتاب الذى دوَّنت فيه ذكرياتها ونشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب، دار النشر الكبرى والرئيسية فى مصر والوطن العربى. والكتاب عنوانه: ذكرياتى. ولكنى للأسف الشديد لم أجده. ونحن نعرف أنها قامت ببطولة مسرحية: الذباب، والنص لجان بول سارتر، علاوة على أن الذى أخرجها كان سعد أردش، وهو من أكبر المخرجين المصريين.
رئيس تحرير جريدة الأوبزيرفر الفرنسية طلب أن يقابلها بعد العرض وهو ما لم يحدُث لفنانة مصرية أخرى. وبعدها قدمت مسرحية كتبها رشاد رشدى. وعندما جاء جان بول سارتر إلى مصر بدعوة من جريدة الأهرام فى ذلك الزمان البعيد، وكانت سميحة أيوب تقدم دوراً فى العرض الكبير: الإنسان الطيب للمسرحية الشهيرة التى كتبها برتولد بريخت، وفى هذا الوقت إذ بإدارة المسرح تبلغها أن سارتر سيحضر عرض مسرحيته: الذباب، التى ترمُز للاحتلال الألمانى لفرنسا. وأبلغوها فى إدارة المسرح أنهم سيوقفون عرض مسرحية: الإنسان الطيب. وسيقدمون الذباب.
وبعد انتهاء العرض قالت سميحة أيوب إن جان بول سارتر وسيمون ديبوفوار فى ذلك الزمان البعيد صعدا إلى المسرح لكى يُقبِّلها سارتر ويقول لها: أخيراً وجدت إليكترا فى القاهرة هنا فى مصر.
بل إن التليفزيون المصرى أذاع تكريم الرئيس عبدالفتاح السيسى لها فى إحدى المناسبات. وأجمع أهل الفن على أنها فنانة مهمة وعظيمة وعملاقة لا تقل عن سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة يرحمها الله هى الأخرى. وقد كرمها 5 رؤساء جمهوريات هم: الرئيس جمال عبدالناصر، والرئيس الفرنسى فاليرى جيسكار ديستان، والرئيس أنور السادات، والرئيس حافظ الأسد، ورئيس مصر الذى يعد تاريخياً مؤسس مصر الحديثة الرئيس عبدالفتاح السيسى.
ما زلت أذكر حتى الآن أننا فى ستينات القرن الماضى كنا نذهب إلى مقهى ريش للقاء نجيب محفوظ، مؤسس الرواية العربية الحديثة. وكان الرجل ملتزماً فى مواعيده، وبعد أن ينصرف نبقى حيث نلتقى مع نجوم الكتابة الأدبية فى فروعها المختلفة فى ذلك الزمان البعيد.
كنا نقابل الشاعر صلاح عبدالصبور، والشاعر أحمد عبدالمعطى حجازى، وكاتب المسرح ألفريد فرج، والكاتب الشامل سعد الدين وهبة، الذى كانت له طلَّة خاصة وحكايات نادرة لا يرويها إلا هو. وكانت له طريقة جميلة فى روايتها، وفى بعض الأحيان كانت سميحة أيوب تمر علينا ليعودا معاً إلى بيتهما. وهو نفس البيت الذى زُرت فيه سعد الدين وهبة أكثر من مرة، وظلت تعيش فيه إلى أن رحلت عن دنيانا وخرجت منه لآخر مرة إلى حيث المقبرة التى دُفِنت فيها.
يرحمها الله رحمة واسعة.