ولمّا تتلاقى الوشوش مرتين
كانت ليلة ظلماء، حين فتح أوراقه ليقرأ ما سبق له أن كتبه.. حين راقت له أوراقه وعاودها مصافحاً وليس متصفحاً، متعرفاً على ما كان قبل سنوات، بدت له إحباطاته واحدة تلو الأخرى، أهذا أنا؟.. من منا لا يملك ماضياً، خرج منه مهرولاً؟ البعض فقط يملك الاعتراف، وقليل يعترف وهو يبرر، وكثير يغض الطرف وكأنه لم يكن هو، وأقل القليل هو من يمارس جلد الذات ويعاقب نفسه على نفسه فى زمن ووعى لم يعد عليهما.. ويظل هذا الماضى معلقاً فى عيون جميع من شهدوه وشهدوا عليه، حتى يتحلل منه صاحبه، أو يتحلل الجسد من صاحبه.
كنت أتصور أن الجميع يملك القدرة على مواجهة النفس والثورة على ما تظنه من ثوابت وما تعتقده من مبادئ، أتصور أن الجميع يحسب حساب «لمّا تتلاقى الوشوش مرتين»، بكل الدراما التى يحملها «اللقاء الثانى»، لأنه فى الأساس لقاء درامى، فإذا راعى الفاعل أن ثمة لقاء بمن ينهشهم الآن فلابد أن يحتفظ لنفسه بباب للرجعة، وإذا لم يراع وحدث اللقاء فلابد له من اعتذار، ليس ضرورياً أن يشفع بتفسير ولا تبرير، المهم أن يدرك الفاعل جرمه وأن يساويه بالتراب إذا عاد معتذراً.
وهل فى المبادئ والمعتقدات اعتذار؟
فى الإجابة أقاويل عدة، وفى المبدأ طرق وسبل، كلها صحيحة.. فمن اعتنق فكراً وصار رهينه، واستتبع وراءه مريدين، وجب له حين يعود عنه ويرتد إليه بصره أن يعتذر ويصحح ما ضلل به ملايين حوله.. يكفيه الاعتذار، ويزيد قيمة وقامة إذا ملك التصحيح، هذا إن كان مساره صادقاً نابعاً من إيمان حقيقى، أما إن كان نتاج مصالح تتشابك ثم تتقاطع، فوجب عليه الصمت ذهاباً وعودة، ووجب علينا الفرز لمن نتبعه.
لمَ كل هذا؟.. لأننا صرنا فى يوم وليلة أسرى معركة لا نملك أدواتها، بسبب جماعة من البشر صدّروا عن أنفسهم أفكاراً آمن بها ملايين وسارت خلفها أجيال طوال عقود، قبل أن تنقشع الغمامة، ويظهر النور ساطعاً من بعيد، بعضهم عاد معتذراً واندمج فى الحياة الجديدة محوّلاً ندمه لطاقة تكفير عن كل ذنب أو دم علق فى طرفه، ممزقاً أوراقه القديمة، فيما فضل البعض الآخر جهاد العناد، وأخذتهم العزة بالإثم، ينتظرون إشارة تفيد أن الغفران ينتظرهم، دون أن تتحرك ضمائرهم نحو اعتراف بالجُرم أو محاولة للتكفير عنه.. حدث هذا سياسياً واجتماعياً، عشناه مؤخراً فى حالتى التنظيم الإرهابى للإخوان، وفى حالات النشطاء السياسيين، عشناه أيضاً مع هوجة الفنانات المعتزلات المروجات للحجاب، واللائى تخلين عنه دون أن يفصحن عن سبب التعلق وسبب التخلى، قد يعتقد البعض أنه من الأمور الشخصية التى لا يجب التطرق إليها، لكنه فى حالتهن كان توجهاً ومساراً منظماً ومخططاً له.
أتابع عن كثب من كان صديقاً، من كان محباً للحياة، ممارساً لكل تفاصيلها، تاركاً ذكرى تُروَى وتُحكَى.. أعلم - كما يعلم الجميع - أنه فى انتظار فرصة، باب أمل يطرقه ليعود، شرطه الذى لم يضعه صراحة على طاولة المفاوضات أن تسقط عنه العقوبة، أن يسقط عنه الجُرم، أن يعود كمن ولدته أمه، وبدلاً من أن يمزق أوراقه واعترافاته التى دوّن فيها «وأعدوا» وخَطّ فيها شعارات شيطن من خلالها الجميع، يطالب مَن حوله بغض الطرف عنها، يطالبهم بأن يتناسوها.. لم يعبأ بعودة حقيقية مملوءة بإيمان قوى ومراجعات لا تختلف كثيراً عن مراجعات من سبقوه إلى المسار واعترفوا بضلاله وعادوا إلى مسارهم الحقيقى، ربما كانوا أقوى منه، كون إيمانهم بالمسار كان حقيقياً وإيمانه كان قائماً على مصالح، ربما كانوا أكثر شجاعة ورجولة منه.. ولمَ التشكيك والجزم أقرب وأوقع؟
فى يونيو، يجتر جميعنا الذكريات، كثيرها فخر وقليلها قهر، وبينهما عشرات من الأسماء نلعنها صراحة ومئات من المواقف نرويها بالدموع، على مقربة من المشهد يظهر المثاليون، الذى يمنحون صكوك العفو والغفران، ينسون الدماء التى سالت والحقوق التى سُلبت، يهدرون قيم الاعتذار.. لهؤلاء خرجت كلمات سيد حجاب «عمر الوشوش ما بتبقى بعد السنين / نفس الوشوش دى بتبقى شىء تانى».