بصياغة ذكية هادئة.. بيان «النقاط فوق الحروف» للخارجية المصرية حول مسيرة دعم غزة!

أحمد رفعت

أحمد رفعت

كاتب صحفي

ليس غريباً على دبلوماسية عريقة مثل الدبلوماسية المصرية، وممثلتها الشرعية هي وزارة الخارجية والهجرة، تتابعها وتشرف على عملها قيادة سياسية مخلصة تدرك قيمة وأهمية دور مصر التاريخي في قضايا أمتها العربية... نقول ليس غريباً أن يكون استهلال بيانها عن تنظيم «المسيرة المغاربية الداعمة لغزة» هو ترحيب جمهورية مصر العربية بالمواقف الدولية والإقليمية الرسمية والشعبية الداعمة للحقوق الفلسطينية، والرافضة للحصار والتجويع والانتهاكات الإسرائيلية السافرة والمنهجية بحق الشعب الفلسطيني بقطاع غزة، لتكون، وقبل أن تدخل في صلب الموضوع، قد أعادت التأكيد على مواقف مصر الثابتة من العدوان على غزة... الذي تعتبره مصر جزءاً من الضغوط التي تقودها لوقف العدوان ودخول المساعدات وفك الحصار عن الأشقاء. وبالتالي، ليس فقط أعلنت مصر رأيها وموقفها الدائم من دعم الأشقاء.

بعدها، ينتقل البيان إلى ما تفرضه الأصول القانونية والدبلوماسية للدخول إلى أراضي الدول... أي دول في العالم... واعتقادنا أنها أمور إجرائية بديهية تلزم الدول بها نفسها قبل أن تلزم غيرها ما لم يُعلَن غير ذلك... حيث يقول بيان الخارجية المصرية:

«في هذا السياق، وفي ظل الطلبات والاستفسارات المتعاظمة بزيارة وفود أجنبية للمنطقة الحدودية المحاذية لغزة (مدينة العريش ومعبر رفح) خلال الفترة الأخيرة، وذلك للتعبير عن دعم الحقوق الفلسطينية، تؤكد مصر على ضرورة الحصول على موافقات مسبقة لإتمام تلك الزيارات، وأن السبيل الوحيد لمواصلة السلطات المصرية النظر في تلك الطلبات هو من خلال اتباع الضوابط التنظيمية والآلية المتبعة منذ بدء الحرب على غزة، وهي التقدم بطلب رسمي للسفارات المصرية في الخارج، أو من خلال الطلبات المقدمة من السفارات الأجنبية بالقاهرة، أو ممثلي المنظمات إلى وزارة الخارجية، علماً بأنه سبق وأن تم ترتيب العديد من الزيارات لوفود أجنبية، سواء حكومية أو من منظمات غير حكومية».

وكان البيان من الذكاء أن يؤكد، وهو يحدد الخطوات التنظيمية لدخول البلاد للتضامن مع الأشقاء، باعتبارنا الطريق البري الوحيد المؤدي إلى غزة، أن تضمن البيان التذكير بأننا كمصر فعلنا ذلك طوال الفترة الماضية مع وفود رسمية وشعبية! وليست المرة الأولى التي تتصدى قوانيننا لمثل ذلك... بل قدمت مصر التسهيلات الإضافية، فلم يعد دخول البلاد قاصراً على حاملي التأشيرات من سفاراتنا بالخارج فقط، بل يمكن ذلك بطلبات مباشرة إما من سفارات أجنبية (أي سفارات تعمل من القاهرة حتى لو كانت عربية) بالقاهرة، أو بطلبات من منظمات أجنبية إلى الخارجية المصرية! وهي صيغ تؤكد دعم مصر وتسهيلها للتضامن مع الأشقاء، وليس العكس كما يدّعي المغرضون!!!

ثم تضيف الخارجية بُعداً آخر لرؤيتها ولقرارها، فتقول في البيان: «تؤكد مصر أهمية الالتزام بتلك الضوابط التنظيمية التي تم وضعها، وذلك لضمان أمن الوفود الزائرة، نتيجة لدقة الأوضاع في تلك المنطقة الحدودية منذ بداية الأزمة في غزة»، أي حرص مصر على أمن أعضاء الوفود، باعتبارهم زائريها وضيوفها، ولكونهم لا يدركون حجم المخاطر بالمنطقة، التي تصل فيها أصوات المعارك إلى مدن مصرية حتى، وربما ليست على الحدود مباشرة!

البيان... المحترم... يختتم فقراته بالعودة من جديد إلى التأكيد على الموقف المصري لأولئك ممن ينسون أو يتناسون مقدمات البيانات عند بلوغ آخرها، فتجدد التأكيد: «تُشدد مصر على موقفها الثابت الداعم لصمود الشعب الفلسطيني على أرضه، والرافض للانتهاكات الإسرائيلية الصارخة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وتؤكد على أهمية الضغط على إسرائيل لإنهاء الحصار على القطاع، والسماح بالنفاذ الإنساني من كافة الطرق والمعابر الإسرائيلية مع القطاع»!

شكراً للخارجية... والتي عبّرت، في غير قلق ولا إطالة، عن ثوابت للسياسة، وقواعد بالقانون، ووضعت في هدوء، وبغير تشنج، وبما يُفَوِّت الفرصة على مستهدفي الدور المصري وسمعته وصدق شعبه، النقاط فوق الحروف في قضية احتاجت، ولجماهير انتظرت، «هذه النقاط وتلك الحروف»!