بعد أكثر من 50 عاما على رحيل طه حسين: هل انطفأ وهج التنوير العربي؟
بعد أكثر من 50 عاما على رحيل طه حسين: هل انطفأ وهج التنوير العربي؟
بعد أكثر من نصف قرن على رحيل «عميد الأدب العربى» الدكتور طه حسين، لا يزال السؤال حاضراً فى الأوساط الثقافية والفكرية: هل انتهى المشروع التنويرى العربى بغياب أبرز رموزه؟ أم أن ثمة من حاول حمل المشعل وسط رياح التحولات السياسية والاجتماعية والدينية العاتية التى اجتاحت العالم العربى؟
هذا التساؤل المشروع يتجاوز حدود الحنين إلى رموز الماضى، ليطرق أبواب الحاضر: لماذا لم يظهر حتى اليوم مفكر عربى يمتلك مشروعاً تنويرياً متكاملاً ذا تأثير فعلى، كالذى مثّله طه حسين فى النصف الأول من القرن العشرين؟ وهل تكمن المشكلة فى غياب المفكر، أم فى غياب البيئة القادرة على احتضان مشروعه؟
خالد منتصر: النهر لن ينضب ولدينا مشروع مبدع للمفكر الفيلسوف مراد وهبة
المفكر والطبيب الدكتور خالد منتصر يرفض المقارنة الحرفية بين مفكرى اليوم وطه حسين، موضّحاً أن نهر التنوير لم ينضب، لكنه تفرّع إلى روافد متعدّدة. ويرى أن هناك مفكرين عرباً ومصريين يمتلكون مشروعات فكرية كبرى، لكنها لم تحظَ غالباً بالفرصة التى أُتيحت لعميد الأدب العربى.
ومن بين أبرز هذه الأسماء هو الفيلسوف الدكتور مراد وهبة، الذى قدّم مشروعاً متكاملاً لاستعادة فكر ابن رشد، وأرسى خطاً واضحاً للدفاع عن العلمانية والتفكير العقلى النقدى. ورغم ما كتبه مراد وهبة من عشرات الكتب والمقالات، لم ينَل مشروعه الاهتمام الذى يليق به. ويقول «منتصر» بأسف: «الرجل تجاوز الخامسة والتسعين، ومع ذلك مشروعه مُهمَل، عمداً أو سهواً».
ويُرجع «منتصر» الفارق الجوهرى بين طه حسين وغيره من التنويريين إلى أن طه حسين امتلك سلطة تنفيذية حين تولى وزارة المعارف، واستطاع عبر منصبه أن يُحقّق رؤيته بأن يكون التعليم «كالماء والهواء». أما اليوم، فلا أحد من المفكرين يشغل منصباً تنفيذياً فاعلاً فى الدولة.
وأضاف «منتصر» لـ«الوطن» أن صعود تيار الإسلام السياسى، بقوته المالية وتنظيمه الشرس، أصبح العائق الأول أمام أى مشروع تنويرى. واستشهد بمثال المفكر الراحل نصر أبوزيد، الذى لم يُحاصر فكرياً فقط، بل حوكم بتهمة الردة، وصدر حكم قضائى بتفريقه عن زوجته، فى تناقض صارخ مع ما واجهه طه حسين، الذى برّأه وكيل نيابة متفتّح هو محمد نور. من زاوية مغايرة، يرى الناقد الثقافى محمود عبدالشكور أن المشكلة لا تكمن فقط فى غياب المفكرين، بل فى تغيّر بنية المجتمع المصرى منذ هزيمة 1967. إذ تآكلت الطبقة الوسطى، التى كانت حاضنة التنوير، بفعل الانفتاح الاقتصادى فى السبعينات، وتدهور التعليم، وتردى أوضاع الثقافة.
«عبدالشكور»: تآكل الطبقة الوسطى أجهض الحراك التنويرى
يقول «عبدالشكور»: «النهضة الفكرية لا تقوم فى فراغ. التنوير يرتبط بالحراك الاجتماعى، والتعليم الجيد، والانفتاح على العالم». ويُشير إلى أن مشروع طه حسين اعتمد أساساً على التعليم، وكان مدعوماً بسياق اجتماعى ليبرالى. أما اليوم، فقد تراجع هذا الهامش، وصعدت تيارات التشدّد والتكفير، وتراجعت مكانة المثقف.
ويؤكد أن تدهور التعليم أجهض أى إمكانية لطرح مشروع تنويرى جديد، إذ لم تعد المعرفة فى صدارة القيم المجتمعية. وأصبح الحوار مستحيلاً فى ظل خطاب متطرّف لا يحتمل الاختلاف. ويضيف: «الميزان الآن هو المال، لا العلم. والمكانة الاجتماعية تُبنى على السلطة أو الثروة، لا على الثقافة». ويستشهد «عبدالشكور» بالسياق التاريخى الذى يربط بين النهضة الاقتصادية والفكرية، مشيراً إلى أن مشروع محمد على التنموى والإدارى مهّد لتكوين طبقة وسطى متعلمة، ثم جاءت ثورة 1919 ودستور 1923 لتُجسد هذه الحيوية. أما اليوم فـ«المعطيات الراهنة لا تصنع نهضة، بل تكرّس الرّدة إلى ما قبل محمد على».
أما الكاتب صبحى موسى، فيرى أن الحديث عن المشروع النهضوى يتطلب فهم أسباب تعثّر مشروع التنوير فى العالم العربى. ويشير إلى أنه تناول هذا الموضوع فى كتابه «مأزق التنوير»، موضحاً أن العالم العربى لم يتجاوز بعد مرحلته الأولى، التى تُشبه ما يُعرف بالمرحلة البروتستانتية فى أوروبا، والمتمثلة فى المطالبة بفصل الدين عن الدولة.
ويُؤكد أن هذا التوقّف يحول دون تحقيق قيم التنوير الأساسية كاحترام العقل، وحرية التفكير، والحق فى التعليم والصحة. ويُرجع التعثر إلى شبكة من الأسباب المتحالفة ضد الوعى العربى، أبقته فى حالة تبعية، عاجزاً عن التفكير المستقل أو الإسهام الحضارى، فالعقل العربى، كما يقول، ما زال أسير الماضى، خاضعاً لهيمنة التراث، ويظن أن كل أسئلته قد أُجيبت مسبقاً، فلا يرى ضرورة للتجديد أو التغيير. ومن داخل المؤسسة الأكاديمية، تشير الدكتورة دينا أبوالعلا، وكيل كلية الآداب بجامعة المنصورة، إلى خلل بنيوى فى العلاقة بين المفكر والجمهور، فرغم تعدّد وسائل الإعلام والتواصل، فإن «الفجوة فى التواصل الفعّال» لا تزال تتسع.
«أبوالعلا»: البيئة المحيطة بالمثقف لا تساعده على التأثير
وترى «أبوالعلا» أن البيئة المحيطة بالمثقف لا تساعده على التأثير، فالتعليم تحوّل إلى سلعة، والمثقف فى الإعلام يُقدَّم بوصفه شخصية مُهمّشة أو مفلسة، بينما تُمجّد الثقافة الاستهلاكية. وتتابع: «أفكار التنوير تُواجه بتشكيك مجتمعى، وتُصوّر كتهديد دينى، مما يجعل المتلقى العادى ينفر منها».
وتلفت إلى أن الإعلام يميل إلى تقديم نماذج مغتربة لا تعبّر عن الواقع المصرى، وتُغرق الجمهور فى صور غير واقعية للثقافة. وتقترح الاستفادة من نماذج ناجحة مثل رواية «قنديل أم هاشم»، التى جمعت بين الموروث والتحديث، أو دراما الكاتب أسامة أنور عكاشة، التى ناقشت قضايا المجتمع دون تزييف أو تغريب.

