من غزة إلى إيران.. «ترامب» يفتح أبواب الجحيم.. ويقود العالم لحرب شاملة
من غزة إلى إيران.. «ترامب» يفتح أبواب الجحيم.. ويقود العالم لحرب شاملة
عندما اعتلى الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، منصة التنصيب فى يناير الماضى، أعلن للعالم أنه سيكرس ولايته الثانية لإحلال السلام فى ربوع العالم، وتعهد بأن يُسخّر القوة الأمريكية لـ«وقف جميع الحروب»، وبثّ «روح جديدة من الوحدة» فى عالم تملؤه الفوضى، لكن بعد خمسة أشهر فقط، انهارت تلك الوعود، وتبخرت تماماً، تحت وطأة واقع جديد، تُشكله صراعات مشتعلة، ومبادرات سلام تتهاوى، من غزة إلى أوكرانيا، وحتى إيران، وسط أجندة دبلوماسية أمريكية تتآكل من الداخل.
«الجارديان»: وعود رجل البيت الأبيض بإنهاء الصراعات فى الشرق الأوسط وأوروبا تبخرت أمام لعبة المصالح الضيقة
وجاء فى تقرير لصحيفة «الجارديان» أن أحدث فصول هذا الانهيار تمثل فى المواجهة العنيفة بين إسرائيل وإيران، والتى جاءت عقب تصريحات لـ«ترامب» ناشد فيها إسرائيل عدم توجيه ضربات لـ«طهران»، لكن سرعان ما تجاهلت «تل أبيب» تلك الدعوة، وشنّت غارات واسعة النطاق، استهدفت منشآت عسكرية إيرانية، فى ما وصفه البعض بـ«تجاهل مباشر» لتحذيرات البيت الأبيض، وحاول وزير الخارجية الأمريكى، ماركو روبيو، احتواء الغضب الدولى بوصف الهجوم بأنه «عمل أحادى» من جانب إسرائيل، مؤكداً أن الولايات المتحدة «لم تشارك» فى الضربات، غير أن «ترامب» نفسه عاد لاحقاً ليقرّ بأنه كان على علم مسبق بالهجمات، بل وهدّد بأن أى عمليات إسرائيلية لاحقة ستكون «أشد فتكاً»، ما أثار تساؤلات حول التوجه الحقيقى للسياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط.
الأجندة الدبلوماسية للولايات المتحدة الأمريكية تعانى انهيارا تاما
كما تطرقت الصحيفة البريطانية إلى الصراع المستمر فى قطاع غزة، والذى اعتبرت أنه يمثل «ضربة مبكرة» لما يسمى بـ«مشروع السلام الأمريكى»، حيث إن الاتفاق الهش لوقف إطلاق النار، الذى رعته إدارة «ترامب» بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية انهار سريعاً، لتستأنف «تل أبيب» قصفها العنيف ضد أبناء الشعب الفلسطينى، وتفرض حصاراً شاملاً على القطاع، امتد لثلاثة أشهر، مع منع دخول أى مواد غذائية أو أدوية أو متطلبات معيشية، ومع تصاعد الضربات، وحرمان سكان غزة من المساعدات الإنسانية، إضافة إلى تدمير المرافق الصحية، تجاوز عدد الضحايا الفلسطينيين 55 ألف شهيد، فى مشهد يعكس الفشل الذريع لأى محاولة من جانب الإدارة الأمريكية لحل هذا الصراع المزمن.
وعلى صعيد الأزمة بين روسيا وأوكرانيا، حيث سبق لـ«ترامب» أن تعهّد بإنهاء الحرب «فى يومه الأول» فى المكتب البيضاوى، أطلقت روسيا هجوماً واسعاً هذا الصيف، وتمكّنت من دخول إقليم «دنيبروبتروفسك» للمرة الأولى منذ 3 سنوات، فى إشارة واضحة إلى تجاهل «موسكو» لأى نوايا أمريكية للسلام، بل واستعدادها لتوسيع رقعة القتال، فيما عمدت أوكرانيا إلى شن هجمات فى عمق الأراضى الروسية، طالت عدداً من القواعد الجوية، وقواعد عسكرية أخرى.
وفى خطوة أخرى أثارت الجدل، أعلن «ترامب»، بشكل مفاجئ، توصله إلى اتفاق هدنة بين الهند وباكستان، وهو ما نفته الحكومة الهندية رسمياً، مؤكدة أنه «لا وجود لأى وساطة أمريكية»، واعتبرت «الجارديان» أن مبادرة «ترامب» بإعلان وقف الهجمات المتبادلة بين «نيودلهى وإسلام أباد» سرعان ما تحول إلى «صفعة دبلوماسية» تظهر مجدداً انفصال البيت الأبيض عن الواقع الجيوسياسى فى جنوب آسيا.
وأضافت الصحيفة أن المشهد الأكثر إثارة للقلق، ما ورد فى شهادة وزير الدفاع الأمريكى، بيت هيجسيث، أثناء حديثه أمام الكونجرس، عندما كشف عن وجود خطط عسكرية أمريكية معدّة مسبقاً لاحتلال كل من جزيرة «جرينلاند»، ودولة بنما، فى خطوة أثارت دهشة المراقبين، خاصةً أن هذه المخططات لا تتسق إطلاقاً مع شعار «ترامب» المعلن عن «تجنّب التدخلات الخارجية» أو «صناعة السلام».
ولعل تاريخ «ترامب» فى ولايته الأولى لا يختلف كثيراً عن الولاية الثانية، فلم يتمكّن خلالها من إنهاء أى حرب قائمة، بل كاد أن يشعل مواجهة مفتوحة مع إيران، بينما اقتصرت «إنجازاته» على توقيع «اتفاقات إبراهام»، التى قادت إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، التى لم تكن فى حالة حرب أصلاً مع الدولة العبرية، ما يجعل من تلك الاتفاقات فاقدة للتأثير الاستراتيجى الحقيقى.
وبينما استندت الوعود الانتخابية للرئيس الجمهورى إلى شعارات مثل «أمريكا أولاً»، ورفض التورط فى حروب خارجية، غير أن الواقع اليوم يكشف عن عكس ذلك تماماً، حيث أصبحت الإدارة الأمريكية غارقة فى صراعات متعددة، تنكص بوعودها، وتسعى خلف «مصالح ضيقة»، تتخفى تحت لافتة السلام، ورغم هذا الواقع القاتم، لا يزال بعض المحللين، مثل أليكس فاتانكا، مدير برنامج إيران فى معهد الشرق الأوسط، يرون أن الضربات الإسرائيلية على إيران ربما جاءت كـ«رسالة ضغط»، هدفها دفع «طهران» إلى استئناف المفاوضات، مع دعم غير معلن من إدارة «ترامب»، وبما لا يستهدف تغيير النظام الإيرانى، وفى هذا السياق، ألمح «ترامب» إلى أن تلك العمليات قد تُفضى إلى «اتفاق نووى جديد».
لكن فى المقابل، فإن خبراء آخرين، من بينهم أندرو بورين، المدير التنفيذى للأمن العالمى فى مؤسسة «فلاش بوينت»، أعربوا عن تشككهم فى جدوى هذا الرهان، معتبرين أن ما حدث ربما يدفع إيران إلى التسريع ببرنامجها النووى، بدلاً من التراجع عنه، وحذر «بورين» من أن العالم مقبل على «حرب باردة هجينة»، لا تقتصر على ساحات القتال، بل تمتد إلى الفضاء الإلكترونى، والمعارك غير التقليدية، ما يهدد بفتح جبهات جديدة فى مناطق متعددة حول العالم.
وتختتم «الجارديان» تقريرها بالقول إنه مهما كانت النوايا المعلنة، تؤكد الوقائع أن كل الصراعات، التى تعهّد «ترامب» بإنهائها، قد ازدادت اشتعالاً، وكل المبادرات التى أطلقها، تتساقط واحدة تلو الأخرى، ففى ولايته الثانية، لم يعد ترامب «صانع السلام» الذى تحدّث عن وقف الحروب، بل بات الرئيس الذى يقف على أطلال دبلوماسية منهارة، يقود أمريكا والعالم إلى حافة مواجهة شاملة، بدايةً من غزة إلى أوكرانيا وصولاً إلى إيران، حيث يبدو أن «أبواب الجحيم»، التى طالما هدد بها «ترامب»، قد فتحت بالفعل، وأصبح العالم اليوم أكثر اضطراباً مما كان عليه يوم أقسم اليمين فى بداية ولايته الثانية.