أستاذ تاريخ حديث: مشروع الجماعة الإرهابية كان جزءا من مؤامرة الشرق الأوسط الجديد

كتب: إمام أحمد

أستاذ تاريخ حديث: مشروع الجماعة الإرهابية كان جزءا من مؤامرة الشرق الأوسط الجديد

أستاذ تاريخ حديث: مشروع الجماعة الإرهابية كان جزءا من مؤامرة الشرق الأوسط الجديد

قال الدكتور جمال شقرة، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، إن جماعة الإخوان الإرهابية ارتكبت خلال عام واحد من الحكم كوارث هائلة وليس أخطاء، بدأت بالإعلان الدستورى الذى فضح شهوة الجماعة للسلطة، مروراً بالتنظيم السرى والعنف الطائفى، وانتهاءً بسقوطهم المدوى مع ثورة 30 يونيو، مؤكداً أن مشروع الجماعة كان جزءاً من مؤامرة الشرق الأوسط الجديد؛ لأن الجماعة لا تؤمن بالدولة الوطنية ولا بالوحدة العربية، بل كانوا رأس حربة لمشروع تفكيك المنطقة. وأضاف د. جمال شقرة، فى حواره لـ«الوطن»، أن الجماعة ارتكبت جرائم طائفية بحق المصريين، وحافظوا على تنظيمهم السرى المسلح منذ حسن البنا وحتى وصولهم للحكم، مؤكداً أن مواجهة فكرهم لا تكون أمنياً فقط، بل تكون فكرياً واقتصادياً كذلك.. وإلى نص الحوار:

■ فى تقديرك، ما أبرز الأخطاء التى عجّلت بسقوط جماعة الإخوان؟

- فى الحقيقة، لا يمكن وصف ما فعلوه بالأخطاء، بل هى كوارث سياسية ومجتمعية كاملة. بداية الانحدار الحقيقى للجماعة بعد وصولها للحكم كانت مع إصدار الإعلان الدستورى فى 18 يونيو 2012، الذى منح رئيس الجمهورية صلاحيات مطلقة، وحصّن قراراته من أى رقابة أو اعتراض قضائى. هذا الإعلان استفز كل القوى السياسية والنخب الوطنية؛ لأنه كشف بوضوح أن الإخوان لا يسعون لإقامة دولة قانون، بل دولة فرد وجماعة، وهى النقطة التى أيقظت الجميع على نواياهم الحقيقية، وأكدت كذب شعاراتهم مثل «مشاركة لا مغالبة»، بل حاولوا السيطرة على كل شىء والتمكين والأخونة.

■ هل كان هذا الإعلان الدستورى بمثابة أول مسمار فى نعش حكم الجماعة؟

- بلا شك. الإعلان الدستورى أكد أن الجماعة ليست حركة إصلاح دينى أو دعوى، بل هى تنظيم يسعى للاستحواذ الكامل على مفاصل الدولة. وما تلاه من قرارات وأفعال أثبت ذلك، وأبرزها تقسيم المجتمع إلى فسطاطين: فسطاط الإيمان الذى يمثلهم هم وأنصارهم، وفسطاط الكفر الذى يشمل كل معارضيهم. هم من قالوا: «قتلاهم فى النار وقتلانا فى الجنة»، وهى مقولة خطيرة تمس نسيج المجتمع المصرى المتجانس تاريخياً. وهذا الإعلان غير الدستورى كان أول مسمار فى نعش حكمهم، وتوقعت النهاية السريعة للجماعة بعد هذه الخطوات.

■ هل وجود الإخوان فى السلطة هدد وحدة المجتمع ونسيجه الوطنى؟

- بالتأكيد. المصريون جُبلوا على التسامح والعيش المشترك، فلم يفرقوا يوماً بين مسلم ومسيحى، ولا سنى وشيعى. لكن خطاب الإخوان أحدث صدمة عنيفة، خاصة حين وقعت جرائم طائفية مثل سحل المواطنين وإحراق الكنائس. هذه الأفعال دقت ناقوس الخطر لدى الناس، وأدركوا أن الجماعة لا تؤمن بالتنوع، بل تسعى لفرض نموذج فكرى واحد بالقوة، المصريون رفعوا دائماً شعار الدين لله والوطن للجميع، والإخوان انقلبوا على هذه الحقيقة الوطنية الثابتة، واستمرارهم فى الحكم كان سيؤدى إلى فتنة طائفية.

■ حدثت أيضاً وقائع كبرى مثل محاصرة المحكمة الدستورية ومدينة الإنتاج الإعلامى.. ما الهدف منها برأيك؟

- إرهاب الدولة. الجماعة أرادت أن تبث رسالة مفادها: «نحن المسيطرون»، فحاصروا المحكمة الدستورية لإهانة القضاء، ثم انتقلوا إلى محاصرة مدينة الإنتاج الإعلامى لتكميم الإعلام. كانوا يعتقدون أن الإرهاب المعنوى قادر على إسكات الجميع، تماماً كما اعتقدوا أنهم أرعبوا المجلس العسكرى سابقاً. لكنهم لم يدركوا أن الشعب نفسه بدأ يرفضهم، وأن مشكلتهم ليست مع القضاء ولا الإعلام ولا مؤسسات الدولة فقط، بل مع كل المصريين.

■ كيف تقيّم عام حكم الجماعة؟

- كان عاماً مليئاً بالكذب والخداع والتخبط فى القرارات، هذه كانت أبرز سمات حكمهم. القرار كان يخرج من مكتب الإرشاد، الجماعة هى من كانت تدير وليس الرئيس المعزول محمد مرسى ولا حكومته، هذه التصرفات كشفت أن الجماعة تفتقر إلى رؤية أو برنامج حقيقى، وأنها غير مؤهلة لإدارة دولة بحجم مصر.

■ بخصوص اصطدامهم مع بعض المؤسسات، كيف تفسر اصطدام الإخوان مع الأزهر الشريف؟

- اصطدامهم مع الأزهر كان كارثة أخرى. الأزهر هو المؤسسة الدينية الأعرق فى العالم الإسلامى، ويحظى بمكانة خاصة لدى المصريين، وعندما حاولت الجماعة تقزيم دوره أو السيطرة عليه، قوبل ذلك برفض شعبى واسع. كان من الواضح أنهم يريدون إلغاء المرجعيات التاريخية للدين لصالح مرجعية التنظيم؛ لأن الإخوان لا يؤمنون بدولة ولا مؤسسات، ولكن يؤمنون بجماعتهم فقط وشيوخهم.

■ هل ترى أن عملية «التمكين» أو ما يُعرف بأخونة الدولة كانت من العوامل الأساسية فى سقوطهم؟

- بلا شك. بدأوا عملية أخونة المؤسسات بشكل فج: فى القضاء، الإعلام، الجامعات، منظمات المجتمع المدنى، وحتى فى التليفزيون الرسمى. كوادرهم حاولوا التسلل إلى مواقع حساسة. هذه الممارسات أغضبت قطاعات كبيرة من الموظفين والمثقفين وأساتذة الجامعات. تمكين بلا كفاءة يؤدى حتماً إلى انهيار.

■ لكن الإخوان كانوا يقولون دائماً إنهم لا يؤمنون بالعنف، فهل احتفظوا بالفعل بتنظيم سرى مسلح؟

- شعار «السلمية» أكذوبة كبرى. الإخوان لديهم تنظيم سرى مسلح منذ عهد حسن البنا. وبعد صدامهم مع «عبدالناصر» فى 1965، قرروا النزول تحت الأرض والعمل من خلال خلايا نائمة، إلى أن جاءت لحظة الانفجار فى 2011. الجماعة تحتفظ بتنظيم سرى عالمى أيضاً، له علاقات استخباراتية، خاصة مع الولايات المتحدة. هم يعترفون بذلك فى أدبياتهم، وإن أنكروه إعلامياً، وبالتالى التنظيم السرى المسلح استمر وكانت له أدوار محددة ونفذ عمليات اغتيالات وعنف وإرهاب.

■ وهل استمر هذا التنظيم بعد وصولهم للحكم؟

- ليس فقط استمر، بل ازداد نفوذاً. وحتى اليوم، هناك خلايا نائمة تتبعهم. هذه مسألة يجب التعامل معها بجدية، ليس أمنياً فقط، بل فكرياً أيضاً. المواجهة الأمنية وحدها لا تكفى، يجب تحصين المجتمع ضد فكرهم، خاصة فى المدارس والجامعات والإعلام، وهذا التنظيم السرى المسلح كان مسئولاً عن أعمال العنف والجرائم.

■ فى ضوء كل ما حدث، هل ترى أن الجماعة انتهت للأبد فى مصر؟ أم أن هناك احتمالاً لعودتهم؟

- لو تحقق الاستقرار والتنمية الاقتصادية الحقيقية، فلن يجدوا موضع قدم. الجماعة، مثل كل التنظيمات الإرهابية والراديكالية، تعيش فى المستنقعات، وتستغل الأزمات لنشر فكرها. لكن طالما الدولة قوية، والناس واعية، فلن يعودوا، ولا يجب السماح بعودتهم مرة أخرى، ويجب التصدى لأى محاولات تمريرهم للمشهد العام والترويج للمصالحة معهم، فلا مصالحة مع جماعة إرهابية.

■ هل كان وصولهم للحكم جزءاً من مؤامرة أكبر لضرب الدولة الوطنية فى المنطقة؟

- بدون شك. جماعة الإخوان كانت إحدى الأدوات لتنفيذ مشروع «الشرق الأوسط الجديد»، الذى حاول تمريره الغرب عبر ما سُمى بالربيع العربى. مصر أجهضت هذا المشروع، لكننا نرى تداعياته فى سوريا والعراق واليمن. الإخوان لا يؤمنون بالدولة الوطنية ولا بقداسة تراب الوطن. شعارهم كان «طز فى مصر»، ولا يؤمنون بالوحدة العربية، فقط الخلافة الإسلامية، أما الوطن فهم يؤمنون بأنه حفنة من التراب النجس، وكانوا رأس حربة فى مشروع تفكيك الدولة الوطنية.

■ فى النهاية، ما رسالتك بشأن التعامل مع هذا الفكر؟

- لا بد من مواجهة شاملة: أمنية، وفكرية، وتعليمية، واقتصادية. المعركة مع الإخوان ليست فقط مع أفراد، ويجب ألا تكون أمنية فقط، بل مع فكر مريض يجب فضحه وتحجيمه. التعليم والتنوير هما الحصن الأقوى للمجتمع، وكلنا مسئولون عن مواجهة هذا الفكر بالعلم والثقافة والتنوير وكشف الحقائق.


مواضيع متعلقة