مرحلة الإخوان العبثية
فى مرحلة هزلية موجعة من عمر الوطن كان يحكم مصر «رئيس» تتوقف المواصلات وتجتمع الأسر لتتابع تعليقات «باسم يوسف» الساخرة عليه وعلى جماعته ومرشده وعلى حكم الإخوان، ثم تتفرق نفس الأسر بعد التنفيس عن غضبها المكتوم، وهى تحوقل وتحسبن على من جعلنا نعيش «تلك الأيام السوداء».. ربما يذهب أحدهم طابور العيش أو طابور البنزين، بينما يبحث الآخر عن منفذ يتجنب منه «ميليشيات المغير».. ويشهد التاريخ أن الدول لم تر رئيساً تحول إلى دمية يتقاذفها الشعب سخطاً وهزلاً منذ ذلك اليوم الذى أصبح فيه الحديث عن «قصر الاتحادية» مرتبطاً بالبط، وفى خلفية المشهد كانت تولد استمارة «تمرد» ويولد معها الأمل فى غد أفضل لنستعيد فيه مصرنا.
كنت أبكى بكاءً مريراً كلما مرّ موكب «محمد مرسى» من أمام منزلى، وأكاد أخبط رأسى فى الحائط وأنا أستمع إلى عباراته الخالدة: (الحارة المزنوقة، وفيه أيادى بتلعب فى البلد.. إلى آخر قاموس المسخرة السياسية التى كان يتحدث بها).. ربما كان لا بد أن تنكسر ظهورنا لننهض ثانية، أو كان لا بد أن تُبتر قطعة غالية من أرضنا فيما سمى «صفقة القرن».. أن نرى جنودنا أسرى لعدو من دمنا (ومرسى يطالب بالحفاظ على الخاطفين والمخطوفين!).. كان لا بد أن نمتلك المال فى تلك اللحظة ولا نجد الوقود لنشتريه، أن (نجوع فى حضن أمنا).. وكأننا جميعاً دخلنا أسر الإخوان لنتحرر ونعرف معنى وقيمة كلمة «وطن».
فى هذه المرحلة أشاع مكتب الإرشاد أن الفريق أول آنذاك «عبدالفتاح السيسى» ينتمى للإخوان، ورأينا بأنفسنا «سحل صابر» أمام الاتحادية، حتى تملكنا اليأس من أن يكون لنا ظهر من الجيش أو الشرطة ليحمينا، كانت النكات السياسية التى نتجرعها مُرة ونحن نرى «خيرت الشاطر» يتحدث باسم مصر فى الصين.. و«عزة الجرف» تحاول إلغاء مكتسبات المرأة وتطلق كذبتها الكبيرة «مرسى مدعوم من الله».. كان الضغط والتوتر أكبر من أن أصفه أو أكتبه: (جمعة قندهار، الإعلان الدستورى الذى منح مرسى صلاحيات إلهية، حصار المحكمة الدستورية العليا ومدينة الإنتاج الإعلامى، القوائم السوداء للإعلاميين.. الاصطدام فى كل شوارع مصر بين الشباب الثائر وميليشيات الإخوان، فضيحة الاجتماع السرى لمناقشة مشروع سد النهضة الذى عرّى كل رموز المعارضة المتعاونة مع الإخوان.. قتلة السادات يحتفلون بنصر أكتوبر، دعوة مرسى للجهاد فى سوريا.. إلخ).. وكان الهم أكبر من أن نحصيه، لكن لا بد أن نتذكره وأن نحفظه عن ظهر قلب ونرويه لأولادنا وأحفادنا ليصونوا هذا البلد «إنها سنة كبيسة مخصومة من عمرنا».
كانت «تمرد» هى تلك الكلمة السحرية التى تحولت إلى عريضة ثورية، ثم أصبحت مدخلاً لثورة 30 يونيو.. استطاع شباب حملة تمرد أن ينزعوا الخوف من قلوب جيلهم من الشباب، وأن يستثمروا الحنق والغضب فى قلوب ملايين المصريين «حزب الكنبة»، وأن تدور العريضة إلكترونياً لتتحول السوشيال ميديا إلى ثورة شعبية حقيقية، لم تكن «تمرد» مجرد حركة معارضة مصرية دعت فى 2013 لسحب الثقة من الرئيس محمد مرسى، والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، بدعوة المواطنين إلى التوقيع على وثيقة تحمل نفس اسم الحركة.. بل كانت الحركة تحمل رؤية لتسيير أمور الوطن وكيف نوجد بديلاً لنظام الإخوان الإرهابى.. أزعم أننى كنت واحدة ممن ساندوا الحركة وآمنوا بها، كنت أول من كتب عنها، وفى أول ظهور لهم مع الإعلامى «عمرو أديب» وجهوا لى الشكر.. لكن هذا «الدعم الأدبى» لم يكن كافياً لشباب بلا «اتصالات سياسية» لعرض رؤيتهم وأفكارهم على المسئولين الوطنيين.
يقول الدكتور محمود مسلم، رئيس لجنة الثقافة والسياحة والآثار والإعلام بمجلس الشيوخ: إن جريدة «الوطن» فور إصدارها خاضت حرباً ضروساً ضد الإخوان، «أهم صورة فى تاريخ الجريدة لما وقفنا مع حركة تمرد يوم 3 يوليو 2013».
وحول تفاصيل عقد «حركة تمرد» لاجتماعها الأول فى جريدة «الوطن» يوضح: (كلمنى أخونا محمد عبدالعزيز، وطلب نستضيفه فى «الوطن»، وقلت له تنور، وقال لى طب لو الإخوان هاجموكم؟، قلت له هنقف إحنا وانتم فى الشارع).
وعن التفاصيل قال محمد عبدالعزيز: «يوم 2 يوليو، جاءتنى فكرة بضرورة عقد مؤتمر صحفى لحركة تمرّد يقول للناس رسالة سياسية واضحة، وهى أننا سنظل محتشدين فى الشارع حتى سقوط هذا التنظيم الإرهابى، وألا يقلق أحد أو يُحبط، ومهما كان ما يهددون به، فنحن مكملين فى طريقنا ضد هذه الجماعة الإرهابية»، لافتاً إلى أنهم واجهوا مشكلة تتمثل فى مكان عقد المؤتمر، فتم التواصل مع الكاتب الصحفى محمود مسلم، مدير تحرير جريدة «الوطن» وقتها، وقال لهم تفضلوا فى جريدة «الوطن».
وتابع: (بينما كنا جالسين مع الكاتب الصحفى محمود مسلم، والكاتب الصحفى مجدى الجلاد، جاءتنا اتصالات كثيرة، وكانت الأمانة العامة لوزارة الدفاع تدعونا إلى اجتماع مع القائد العام للقوات المسلحة فى ذلك الوقت، الفريق أول «عبدالفتاح السيسى»، الذى أعطانا الكلمة فى بداية الاجتماع).
وتابع: «بدأنا كلمتنا بالقول بأن الناس التى نزلت يوم 30 يونيو ومحتشدة فى الشارع حتى الآن لديها مطلب وحيد ومحدد، وهو إجراء انتخابات رئاسية مبكرة وعزل جماعة الإخوان عن الحكم».
أتوقف عند هذا الموقف المفصلى الفارق فى تاريخ مصر ونستكمل معاً «كيف ولد الحلم؟».