لعبة الاغتيالات

يقول الله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ».

لم تختزن ذاكرة التاريخ تجارب قتل لأنبياء الله أو محاولات اغتيال لهم إلا على يد بنى إسرائيل، الذين سجل لهم القرآن الكريم سقوطهم فى هذه الجريمة الشنعاء، وتجد أيضاً أن كتب السيرة سجلت لهم أكثر من محاولة اغتيال سعوا فيها إلى قتل النبى محمد صلى الله عليه وسلم، وأنجاه الله تعالى منها.

واحدة من هذه المحاولات تمت على يد «بنى النضير»، ذلك الحى من اليهود الذى عاش مع النبى صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة.

فقد ربط الطرفين عهدٌ يعين فيه كل طرف الآخر ما داموا يعيشون معاً بالمدينة، وطبقاً لهذا العهد ذهب إليهم النبى ذات مرة يطلب منهم المعونة فى دفع دية رجلين قتلهما أحد المسلمين.

رحب بنو النضير بالنبى، واستمهلوه عدة دقائق حتى يحضروا له المبلغ المطلوب، جلس النبى مع عدد من رفاقه، وكان من بينهم على بن أبى طالب وأبوبكر الصديق، أسفل إحدى البنايات بحى بنى النضير، نظر بعض اليهود إليه وهو يجلس بين صاحبيه، وقالوا لبعضهم البعض: الفرصة سانحة الآن لنلقى عليه حجراً من أعلى ونغتاله.

انتدب بنو النضير «عمرو بن جحاش» للقيام بهذه الجريمة الكبرى، لكن يد الله الحافظة كانت تحيط بنبيه، فقد أوحى إليه بمخطط اليهود، فقام مع أصحابه من فوره، وتركوا المكان، وهو ما أزعج اليهود كل الانزعاج، فأرسلوا فى أثره من يحاول أن يتم الجريمة، ولكن هيهات، فقد تمكن النبى من الوصول إلى أنصاره بالمدينة، وأنجاه الله من فخ الاغتيال الذى نصبه له بنو النضير.

محاولة ثانية للاغتيال وقعت بعد أن فتح النبى «خيبر»، وكانت هذه المرة باستخدام «السم»، فقد أُهدى النبى شاة مسمومة، وأكل منها وشعر بالسم فيها، فتوقف هو ومن معه، وطلب من صحابته استدعاء اليهود الذين فى المكان وسألهم أن يصدقوه القول، لأنه سيكشف كذبهم: إذا كان فى الشاة سم؟ فاعترفوا بجرمهم.

يشير «ابن كثير» فى «البداية والنهاية» إلى أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها، فجىء بها إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فسألها عن ذلك، قالت: أردت لأقتلك، فقال: «ما كان الله ليسلطك علىَّ، أو قال، على ذلك»، قالوا: ألا تقتلها؟ قال: «لا».

عفا الرسول صلى الله عليه وسلم عن المرأة ولم يقتلها، رغم أن بعض صحابته الذين شاركوه الأكل من الشاة لقوا حتفهم، وقيل إنه لم يقتلها فى البداية، لكن عندما مات بشر بن البراء أمر بقتلها.

وقد احتجم النبى على كاهله من أجل الذى أكل من الشاة.

ترى ما الفارق بين ما عاشه المسلمون الأوائل مع بنى إسرائيل، وما عاشته الأجيال المتتالية منهم حتى يوم الناس هذا؟