هدى رشوان تكتب: عادة قتل البراءة.. الختان

بقلم: هدى رشوان كتب: editor

هدى رشوان تكتب: عادة قتل البراءة.. الختان

هدى رشوان تكتب: عادة قتل البراءة.. الختان

عندما بدأت عملي في بلاط صاحبة الجلالة، لم أكن قد سمعت يوما عن شيء يدعى ختان الإناث، لم يكن هذا المصطلح حاضرا في محيطي أو مطروحا للنقاش في أوساطي ولا بين أصدقائي، وذات يوم، وبينما كنت أجلس مع بعض الزملاء داخل غرفة الأخبار، سألت إحداهن في براءة: يعني إيه ختان؟
فكانت الضحكة الساخرة والنظرات المتعجبة هي أول رد تلقيته، وكأن جهلي بهذه الكلمة جريمة تستحق السخرية، لم يكن يدور بذهني يومها أن هذه الكلمة تحديدا ستغير مجرى حياتي.

عدت إلى منزلي تحملني الدهشة والذهول، وبدأت أسأل والدتي وأقرأ عن الختان، وبعدها بشهور كانت واقعة الطفلة بدور التي لفظت أنفاسها الأخيرة على يد من ظنوا أنهم يحافظون على شرفها، بينما سلبوها حقها في الحياة.

لم تكن بدور قصة عابرة ولا خبرا بين الأخبار، بل كانت الصرخة الأولى التي كسرت حاجز الصمت، والصورة التي زلزلت كياني، فقررت أن تكون مناهضة ختان الإناث معركة عمري.

بدأت من حيث يجب أن يبدأ من يريد تغييرا حقيقي… من الميدان.. من القرى والنجوع، إذ تتوارث الأمهات تقاليد لا يعرفن أصلها، وحيث تظل الفتاة الصغيرة في ركن بيتها تبكي جرحا لم تطلبه، فتاريخيًا، تواطأت العادات الاجتماعية مع الصمت الرسمي لفترات طويلة، حتى جاءت لحظة مفصلية حين أجبرت تغطيات صحفية مكثفة — كنت واحدة ممن خاضوها عن قرب — وزارة الصحة المصرية على إصدار قرار صريح بمنع الأطباء من ممارسة ختان الإناث، وتجريم أي طبيب يشارك فيه.ولم يتوقف الأمر عند القرار التنفيذي، بل استكملت المعركة بتعديل بنود قانون العقوبات، وتجريم الختان بشكل قاطع، مع فرض عقوبة حبس على الأب أو الولي الذي يختن بناته.

لا أنسى يوم وقفت وسط فتيات المنيا في الثالثة ظهرا في اغسطس في وقفة احتجاجية للمطالبة بوقف الختان، بعد أن فقدت أكثر من فتاة حياتها بسبب نزيف حاد عقب إجراء الختان على يد داية أو حلاق صحة. ولا أنسى اليوم الذي كنت فيه في إحدى قرى الوجه البحري، وسط جلسة توعوية للفتيات، وفوجئنا برائحة الجاز تزكم الأنوف. علمنا أن بعض المتشددين من الأخوان صبوا الجاز حول المكان، مهددين بإشعال النيران لأننا ـ على حد تعبيرهم ـ «نفسد البنات».

يومها لم أفكر سوى في هؤلاء الصغيرات، وفي أهمية أن يستمر صوتنا مهما علا الخطر.

من المواقف التي لن أنساها كذلك، اعتراف سيدة مسنة من الفيوم، بعد إحدى جلسات التوعية، حين اقتربت مني وهمست: «أنا لم أختن بناتي حماتي وأمي أصرتا، لكني خدعت الجميع.. قلت للبنت ارقدي يومين وقولي إنك اتختنتي، وخلاص»، ضحكنا يومها، ونحن نعلم كم الشجاعة الذي تطلبته تلك الحيلة البسيطة لإنقاذ طفلة.

اليوم، في اليوم الوطني لمناهضة ختان الإناث، أكتب كلماتي هذه وأقولها بفخر: «لو كانت هذه القضية هي ما صنعت مني صحفية تحمل رسالة حقيقية، فأنا ممتنة. ممتنة لأن قلمي كان له دور في إنقاذ طفلة، أو توعية أم، أو إقناع أب، ولا تضمنها طقوس موروثة، بل بالعقل والضمير والتربية».

ختان الإناث جريمة مكتملة الأركان، لا علاقة لها بالدين ولا بالشرف، ولا يعرفها أي نص ديني سماوي، هي عادة غريبة متوارثة تمارسها مصر وبعض دول أفريقيا، ولا تعرفها أي دولة إسلامية أخرى، جريمة تنتهك جسد الفتاة، وتسرق طفولتها، وتترك فيها جرحا نفسيا لا يندمل.

وكلما حل هذا اليوم، أتعهد من جديد أن أظل قلما ينادي بحق البنت في جسدها وكرامتها وطفولتها، أن أكون الصوت الذي لا يهدأ حتى تقتلع هذه الجريمة من جذورها، فالفتاة لا تحتاج مشرطا لتكون شريفة، ولا مقصا لتكون طاهرة، بل تحتاج أما واعية، وأبا حكيما، ومجتمع يحترمها.


مواضيع متعلقة