علاقة الإخوان بالفن والثقافة.. مشروع مخطط للإخضاع والسيطرة

كتب: سهيلة هاني

علاقة الإخوان بالفن والثقافة.. مشروع مخطط للإخضاع والسيطرة

علاقة الإخوان بالفن والثقافة.. مشروع مخطط للإخضاع والسيطرة

ناصب تنظيم الإخوان الإرهابى مصر -فناً وفنانين- العداء منذ اللحظات الأولى لاعتلائهم سدة الحكم فى البلاد، فمع صعود تنظيم الإخوان الإرهابى إلى سُدة الحكم فى العام 2012، حمل التنظيم مشروعاً سياسياً وأيديولوجياً طالما سعى إلى فرضه على مؤسسات الدولة والمجتمع، ورغم الشعارات البرّاقة التى رفعها آنذاك حول الحرية والعدالة وتسمية حزبهم السياسى بنفس الاسم، سرعان ما انكشفت نوايا التنظيم تجاه الثقافة والفن، باعتبارهما أدوات لا يجب أن تبقى مستقلة أو حرة، بل ينبغى تطويعها لخدمة أجندتها وأفكارها.

منذ الأيام الأولى لحكم الرئيس المعزول محمد مرسى، بدأت محاولات ممنهجة لتطويع المحتوى الثقافى والفنى، سواء عبر تعيين قيادات محسوبة على الجماعة داخل المؤسسات المسئولة عن ذلك، أو من خلال التضييق على رجال الثقافة وشنّ حملات تشويه ضدهم. فى المقابل، واجه الفن نظرةً متشددة تحرّم الإبداع وتتهمه بإفساد الذوق العام، ما فتح الباب لدعوات رقابية صارمة، وسعى متكرر لتكميم الأفواه باسم الدين، ولم تكن وزارة الثقافة بعيدة عن هذا التوجه، إذ تعرضت لأشد محاولات الأخونة، ما أشعل غضب المثقفين الذين نظّموا احتجاجات غير مسبوقة، وشكّل هذا الصدام بين المشروع الإخوانى وحرية التعبير، واحدة من أبرز مقدمات الغضب الشعبى الذى أطاح بالحكم فى ثورة 30 يونيو.

طارق سعدة: «الجماعة» وفّرت إطاراً شرعياً بتحريم الأعمال الإبداعية لتتحكم فى تصنيف الأعمال وفق أهواء عناصرها

طارق سعدة، نقيب الإعلاميين، أكد أن جماعة الإخوان وفّرت إطاراً شرعياً لممارسة نفوذ واسع على الثقافة والفن، فظهر اتجاه يحرّم أحياناً أعمالاً إبداعية بسيطة مثل الباليه بتهمة العُرى والتلامس، متذرّعين بأن الحركات تخالف الشريعة الإسلامية، حتى إن بعضهم اقترح تطويره إلى باليه إسلامى بملابس محتشمة، وهو ما أظهر تطلعهم لمنح الفن غطاءً شرعياً ضمن أطر صارمة، ليتحكموا فى ما يجب أن يُصنَّف ملتزماً ومقبولاً.

وأضاف «سعدة»، لـ«الوطن»، أنه عند فحص وسائل الإعلام التابعة للإخوان أو تيارهم، تظهر موجة عاتية لترهيب الأصوات المعارِضة، وتصويرهم على أنهم كفرة، ماسونيون، أو شاذون، فى محاولة لخلق وسم مناهض للإبداع الحرّ. وتابع: «انطلق هذا التمييز من إطار شرعى وهمى، فالأعمال التى لا تخدم المشروع السياسى للإخوان تُوصَم بأنها حرام، فى حين يُعطى البعض الآخر من يناصرهم مشروعيته باسم الحلال، والنتيجة كانت تحجيماً للفن التعبيرى ودور الإعلام والثقافة الحر، وتقييد روح الإبداع بابتزاز شرعى يفتقد لأى سياق فكرى متوازن.

ولفت إلى أن أحد أخطر الأسلحة التى استخدمتها جماعة الإخوان فى طمس الإبداع هو التلاعب بالفتوى الدينية، فبدلاً من أن تكون الفتوى أداة توجيه أخلاقى، جرى توظيفها سياسياً لتحريم الغناء، وتجريم المسرح، والهجوم على السينما بوصفها باباً للفساد، وتم استهداف رموز فنية كأم كلثوم وعبدالحليم حافظ، والتقليل من قيمة أعمالهما بدعوى أنها تُلهى عن ذكر الله، وهذا النهج أوجد مناخاً من الخوف الرقابى الذاتى لدى المبدعين، واضطر الكثير منهم للتوقف أو التنازل عن أفكارهم الفنية، ما كبّل الحركة الثقافية لعقود.

وأكد أن جماعة الإخوان، بدافع سياسى، وظّفت مفردات الحلال والحرام كآلية رقابية لتنظيم الإبداع، واستغلالها لتضييق مساحات التعبير الحر، لكن المجتمع الثقافى تصدى لهذه المحاولات، محاولاً رفع لواء الحرية الفكرية والثقافية، وضمان ألا يصبح الفن وسيلة مضبوطة بحسابات سياسية ضيقة.

طارق البشبيشى: توظيف المنصات الإخوانية كأدوات دعاية وتحريض لا كوسائل لنقل الحقيقة

وحول النهج العدائى، قال طارق البشبيشى، القيادى السابق بجماعة الإخوان والخبير فى شئون الحركات الإسلامية، إن التنظيم كان ولا يزال يتبنى نهجاً عدائياً صريحاً تجاه الإعلام والإعلاميين، قائماً على توظيف المنصات الإعلامية كأدوات دعاية وتحريض، لا كوسائل لنقل الحقيقة أو دعم حرية التعبير، موضحاً أن الجماعة لم تسعَ يوماً إلى بناء إعلام حر أو مسئول، بل كانت رؤيتها للإعلام محصورة فى كونه أداة تخدم أهدافها السياسية، ولو على حساب أمن المجتمع واستقرار الدولة.

تكثيف الجهود لتفنيد المحتوى التحريضى ومواجهة الفوضى التى تقودها الجماعة

وأضاف أنّ جماعة الإخوان الإرهابية اعتمدت طوال مسيرتها على تصدير الأكاذيب ونشر الشائعات الممنهجة، بهدف تضليل الرأى العام وإثارة الشكوك تجاه مؤسسات الدولة الوطنية، لافتاً إلى أنّ القنوات الموالية للجماعة، سواء التى كانت تنشط داخل مصر أو تلك التى تبث من الخارج، لعبت دوراً شديد الخطورة فى تغذية الانقسام الداخلى وصناعة خطاب الكراهية بين أبناء الوطن الواحد.

ولفت إلى أن الإخوان استخدموا الإعلام كسلاح نفسى، يقوم على تضخيم المشكلات الحياتية والاقتصادية، وتحويل الأزمات العابرة إلى كوارث مصطنعة، بغرض إثارة القلق العام وبث روح الإحباط والسخط الشعبى، وهو ما اعتبره خيانة وطنية كاملة الأركان لما يمثله من تهديد مباشر للوحدة الوطنية والأمن القومى، مشدداً على ضرورة دعم الإعلام الوطنى المهنى فى مواجهة هذا النمط من الإرهاب الإعلامى، وأن رفع وعى المواطنين وتعزيز ثقتهم فى مؤسساتهم هو السبيل الأهم لصد الهجمات المضللة.

واختتم «البشبيشى» تصريحاته بالتأكيد أن جماعة الإخوان لا تؤمن بحرية الإعلام، بل تعتبره خصماً يجب إخضاعه أو تصفيته معنوياً، مشدداً على أن حماية الإعلام الوطنى ليست مجرد مسألة مهنية، بل معركة حقيقية فى مواجهة قوى الظلام والتضليل، داعياً إلى تكثيف الجهود لتفنيد المحتوى التحريضى، ومواصلة العمل الإعلامى المسئول لمواجهة الفوضى المعلوماتية التى تقودها الجماعة عبر منابرها.

حسام النحاس: التنظيم الإرهابى لديه قناعة راسخة بأن الإعلام يشكّل تهديداً مباشراً لمشروعه الفكرى وسلطته المحتملة

من جانبه، أكد الدكتور حسام النحاس، أستاذ الإعلام بجامعة بنها، أن تنظيم الإخوان الإرهابى تبنى منذ نشأته موقفاً عدائياً تجاه الإعلام الحر والمستقل، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الإعلام يشكّل تهديداً مباشراً لمشروعه الفكرى وسلطته المحتملة، موضحاً أن التنظيم لم ينظر يوماً إلى الإعلام بوصفه شريكاً فى التنوير أو وسيلة لكشف الحقائق، بل اعتبره أداة يجب تطويعها بالكامل لخدمة أهدافه السياسية والأيديولوجية.

الجماعة ترى أن الثقافة أداة يجب أن تخدم أهدافها السياسية ولو على حساب أمن المجتمع

وأشار إلى أن تنظيم الإخوان حين وصل إلى الحكم عام 2012 لم يضع أى تصور لتطوير المنظومة الإعلامية أو دعم حرية التعبير، بل سلك طريق السيطرة المباشرة، من خلال الدفع بعناصر موالية لتولى المناصب القيادية داخل المؤسسات الإعلامية، سيما فى الجهات الرسمية، وأضاف أن التنظيم استخدم أدوات الترهيب والتشويه ضد الصحفيين، عبر توجيه اتهامات دينية وأخلاقية، فى مقدمتها العلمانية، والعداء للمشروع الإسلامى، ووصل الأمر إلى حدّ اتهام بعض الإعلاميين بأنهم خُدام للطواغيت، فى محاولة لتجريدهم من المصداقية أمام الرأى العام، لافتاً إلى أن أدوات الترهيب تخطت حدودها ووصلت إلى حد الاغتيالات، ورأينا ما حدث مع الصحفى الشهيد الحسينى أبوضيف.

وأكد «النحاس» أن فكر الجماعة قائم على منطق الولاء التنظيمى وليس الكفاءة المهنية، ولذلك كانت تسعى لإقصاء الكوادر الإعلامية ذات الخلفية المستقلة أو المهنية، واستبدالها بعناصر تابعة تتبنى خطابها وتنفذ أجندتها دون اعتراض، ونتيجة لذلك، شهدت الساحة الإعلامية آنذاك موجة من التهديدات والاغتيالات المعنوية بحق عدد كبير من الصحفيين.

وأوضح أن القنوات الإعلامية التى أنشأها الإخوان من الخارج، خصوصاً بعد سقوط حكمهم، لم تكن منصات مهنية أو إخبارية بالمعنى المتعارف عليه، بل كانت بمثابة أدوات دعائية للتحريض وبث الفتن، تحمل خطاباً تقسيمياً يهدف لهدم مؤسسات الدولة لا إصلاحها، مشدداً على أن الإعلام الحقيقى يمثّل خط الدفاع الأول فى مواجهة الجماعات المتطرفة، مشيراً إلى أن صراع الإخوان مع الإعلام كان فى جوهره صراعاً مع الحقيقة ذاتها، لأن هذه الجماعة لا تزدهر إلا فى الظلام، فى حين أن الإعلام الحر بطبيعته كاشف ومضىء ومقاوم لكل محاولات التعتيم.


مواضيع متعلقة