لحظة مصر وغياب «الحس الوطني»

لحظة مصر وغياب «الحس الوطني»

لحظة مصر وغياب «الحس الوطني»

سطوري القادمة ليست تفنيداً لكلام الدكتور مأمون فندى، ولا تفتيشاً فى نوايا الإعلامى الكبير عمرو أديب، بعد أن التقط رسالة «فندى» إلى الرئيس السيسى من الفضاء الافتراضى، وتعمد توسيع دائرة الحوار حولها فى الواقع التليفزيونى، انطلاقاً من افتراض مشترك اتفقا فيه، الأكاديمى الأمريكى والإعلامى السعودى، وهو تراجع دور مصر أو بحسب تشخيص «فندى»، افتقاد مصر لما وصفه بـ«غياب الخيال الاستراتيجى فى التفكير المصرى تجاه قضايا الإقليم»، مرجعاً ذلك جزئياً إلى أمرين؛ «فقر النقاش المفاهيمى»، و«الاستقطاب بين خيارين كلاسيكيين: الانكفاء أو التصعيد».

انطلق (فندى)، فى رده على (بن أديب)، وكلاهما يضع بينه وبين جمهوره جواز سفره المصرى، مؤكداً أن حديثه بلا هدف أو مصلحة شخصية، وأن حوارهما المنفتح من أجل عيون مصر، التى يرى «فندى» أنها تدير علاقتها مع الإقليم بمنطق التفاعل اللحظى، ويطرح سؤاله الجوهرى حول إمكانية وضع تصور استراتيجى مصرى خالص، يقود إلى إطار إقليمى للأمن، وصولاً إلى ما سماه بـ«لحظة مصر».

وفاجأنى مأمون فندى، الكاتب وأستاذ العلوم السياسية، والذى ينشر مقالاً أسبوعياً فى صحيفة الشرق الأوسط السعودية، بأن مصر تتموقع تلقائياً فى «محور المقاومة»، وأن عليها أن تتصدر بدلاً من ذلك قيادة «محور السلام»، القائم على القوة الذكية، والخيال السياسى.

إن محاولة حشر مصر فى محور المقاومة، والدعوة لأن تقود محور السلام، كلام لا يمكن تمريره ببساطة، لأنه يحمل الكثير من الدلالات المراوغة، فليس خافياً على «فندى» دور مصر فى تشييد صرح السلام فى الشرق الأوسط بفضل جهود الرئيس الراحل أنور السادات، فى وقت كان الجميع فيه «مقاومة» و«ممانعة»، وليس خفياً أيضاً عليه أن «محور المقاومة» عبارة تحولت مؤخراً إلى تهمة، وتم استغلالها كذريعة للقضاء على أنظمة وجماعات، وأخشى ما أخشاه أن يكون الهدف المقصود هو دفع مصر للتخلى عن القضية الفلسطينية، باعتبار أن مساندة الحق الفلسطينى سلمياً، وبجهود دبلوماسية، أمسى من أعمال المقاومة ويستدعى المقاوحة.

ظنى أن هذه الفكرة هى أخطر ما جاء فى الرد الذى طلبه عمرو أديب عندما كتب تعليقاً على منشور (بوست) لفندى على منصة (X)، عنونه بـ«رسالة إلى الرئيس السيسى»، وكان من بين ما كتبه أديب: «الانطباع الذى تولد لدى أنكم برقة وذوق تلمحون إلى عدم وجود دور مصرى واضح، الأمر الذى يمكن أن يرد عليه فلاسفة البرجماتية بأن الأوضاع الآن قد لا تتحمل عنتريات أو بطولات ياما أكلنا منها وشربنا. الرئيس عبدالفتاح السيسى ترتيب أولوياته مختلف بعض الشىء وهذا أمر أصبح واضحاً.. هو ليس من أنصار المواقف التى لا توصل لشىء. ولذلك أستاذى العزيز أرجو أن تنزل قليلاً لأرض الواقع وترسم لنا خطوات واضحة قابله للتحقيق ومؤثرة على الأرض».

ورغم نصيحة (أديب) الواضحة كى ينزل (فندى) قليلاً على أرض الواقع، إلا أنه فى رده وخطته التى سماها «لحظة مصر»، طار أكثر فى الفضاء الأكاديمى النظرى، ناثراً علينا أفكاراً (مكررة) تخللها ببعض العبارات الـ(سبايسى)، قصدها أن تحمل أفكاراً صدامية مثيرة.

وأكد الدكتور مأمون فندى تصوره بأن يكون لمصر دور إقليمى جديد، يستند على تحقق أربع ركائز، هى: «غرف تفكير استراتيجية مغلقة، شراكات ذكية مع القوى الإقليمية الرصينة مثل (الجزائر، السعودية، تركيا) بما يصنع «هلال استقرار» مبنياً على المصالح، إعادة تعريف العلاقة مع الغرب دون القطيعة أو التبعية، مصر‎ كدولة خليجية وأفريقية فى آن».

ويبدو أن الدكتور مأمون لم يكتف للإثارة بمسألة تموقع مصر فى محور المقاومة، فأطلق عامداً تعبير الأقوى، «مصر كدولة خليجية»، وهو تعبير أتفهم أنه مجازى، وقد شرحه قائلاً: «بأن أمن الخليج هو امتداد للأمن القومى المصرى، وأن مصر قادرة على لعب هذا الدور دون أن تكون وصية، بل (حاضنة أمنية) تنتج استقراراً من منطق القوة والعقلانية لا الإخضاع». وقد فهمت المجاز لكنى لم أفهم تشبيه الحاضنة الأمنية ويبدو أن كلانا أنا والدكتور فندى بحاجة إلى خبير لغوى، وربما خبير أمنى كى يشرح ويفسر ما ورائيات الكلام، التى عجز الأستاذ عمرو عن فهمها أيضاً فخصص جانباً من برنامجه لمناقشة هذه الأطروحات العظيمة التى لم يفهمها أحد أيضاً.

سأبقى دائماً على قناعة بحق الجميع فى التعبير عن آرائهم، ومناقشة هذه الآراء بحرية هو جزء من التفاعل البناء الذى يثرى العقل، ويحقق الوعى، المستهدف الأسمى من كل ما يدور حولنا فى الإعلام بذراعيه التقليدى والجديد.

لكن، هل يمكن التعامل مع ما أثير عبر رسالة (مبطنة) نشرت على حساب محدود التأثير فى إحدى منصات التواصل الاجتماعى، ثم إعادة طرح أفكار الرسالة الغامضة، فى برنامج جماهيرى من الأكثر مشاهدة بين كل برامج «التوك شو»، مع التركيز على تقصير مصر، وإهالة التراب على جهد كبير تقوم به على جميع الأصعدة، متصيداً لحظة تنبطح فيها المنطقة بأكملها تحت نيران الصواريخ المتبادلة بين إسرائيل وإيران قبل أن تتدخل أمريكا فى ساحة الحرب وتحسمها، داعياً مصر إلى لحظتها مثلما يفعل آخرون عند مطالبتها بالتدخل العسكرى لنصرة أهل غزة، وكأن الجميع بات يعلق أحلامه وأوهامه على أكتاف مصر فقط، متجاوزاً الآخرين من الدول العربية.

ونصيحتى للأكاديمى الكبير هى أن يتشجع ويطرح على جمهوره السؤال الأهم: أين العرب من كل ما يجرى فى محيطهم؟، وأين هم من الشرق الأوسط الجديد؟ على أن يضبط الدكتور فندى توقيته على اللحظة الصحيحة، «لحظة العرب»، يشخص فيها بعباراته الساخنة المرض العضال ويصف لنا علاجاً استراتيجياً، ربما يتجرأ «أديب» ويناقشه فى برنامجه.


مواضيع متعلقة