فخرى أبودياب: القضاء الإسرائيلي اتهمني بالتعدي على القانون رغم أن بيتى أقدم من عمر الاحتلال
فخرى أبودياب: القضاء الإسرائيلي اتهمني بالتعدي على القانون رغم أن بيتى أقدم من عمر الاحتلال
تحقيق: محمد علي حسن وماريان سعيد
«الاحتلال اتهمنى بالتعدى على القانون، رغم أن بيتى أقدم من عمر الاحتلال نفسه»، هكذا روى الدكتور فخرى أبودياب، تفاصيل تعرض منزله للهدم أمام عينيه، من قبل قوات الاحتلال، مضيفاً: «لم تستطع الجمل أن تسعفنى حينها، وأنا أرى الجرافات تدمر جدران منزلى. كانت ضرباتها لا تقع على الحجارة فقط، بل على قلبى وقلب زوجتى وأولادى، كانت تهدم الذكريات والمستقبل معاً. البيت الذى عشنا فيه تحوّل أمام أعيننا إلى كومة رماد، تحولت الدنيا، التى كانت خضراء إلى سوداء».
بنبرة لا تخلو من القهر، تابع حديثه لـ«الوطن»: «أتذكر ذلك اليوم جيداً، الجرافات جاءت بعد الثامنة صباحاً، بعد أن حاصرت الشرطة المكان، أولادى ذهبوا إلى أعمالهم، وأحفادى إلى مدارسهم، خرجوا من غرف نومهم، من بين ألعابهم، ولم يعرفوا أنهم يودّعونها إلى الأبد، وعندما عادوا، لم يجدوا شيئاً، فلا توجد أسرّة، لا كتب، لا ألعاب، وبعدما سُمح لنا بالعودة إلى المكان، وقفنا وسط الأنقاض، ولم تستطع زوجتى ولا أحفادى حتى أن يبكوا، القهر كان أكبر من الدموع».
ويضيف: «أحفادى راحوا يبحثون عن ألعابهم بين الركام، لكنهم لم يجدوا شيئاً، وما زالوا حتى اليوم يعانون من الصدمة، أحدهم، عمره خمس سنوات، انسحب من بيننا دون أن ننتبه، بحثنا عنه طوال الليل، ووجدناه فى النهاية تحت شجرة زيتون، شبه فاقد للوعى، لم يأكل أو يشرب، كانت حالته النفسية صعبة جداً، أخذناه إلى معالج نفسى، وما زال حتى اليوم يخضع للعلاج، كان يملك قفصاً فيه أرنب، وعندما لم يجده، قال لنا ببراءة: قتلوهم... عدموهم».
ويواصل الدكتور أبودياب حديثه الموجع قائلاً: «منذ ذلك اليوم، ونحن نعيش بين المحاكم، والمحامين، والأطباء، أصبت بارتفاع ضغط الدم، وكنت مصاباً بالسكرى من قبل، لكن الضغط جاء بعد الهدم، اسودت الدنيا فى وجوهنا، نظام حياتنا كله تبدل، حتى أولادى لم يعودوا كما كانوا، وأحفادى تراجعوا دراسياً بشكل كبير، ورغم أننا اشترينا لهم كتباً جديدة، قالت لى إحدى المعلمات: كان مبدعاً ورائعاً، لكنه أصبح طفلاً شارداً، وتعثر فى النطق».
يقول «أبودياب»، بتحد: «بعد هدم منزلى لأبقى فى الأرض وبالقرب من ذكرياتى وبيتى المهدوم أقمت كرفاناً صغيراً على نفس الأرض التى أمتلكها بالفعل وبالقرب من الهدم وأعيش فيه مع زوجتى، لأبقى شوكة فى حلق الاحتلال وبلديته، ومع هذا سلمونى أمر هدم وقرار من محكمة الاحتلال بالهدم حتى لهذا الكرفان الصغير الذى بالكاد يكفينا، أى عند تنفيذ الهدم سأصبح أنا وزوجتى بدون مأوى مرة أخرى».
وتابع بصوت خافت: «كلما اجتمعنا وتحدثنا عن البيت، يسود الصمت، أحياناً نقف بالساعات دون أن ننطق بكلمة، زوجتى فقدت الوعى أكثر من خمس مرات منذ الهدم، نقلناها إلى المستشفى مراراً، وفقدان البيت لم يكن فقداناً لمكان فقط، بل لحياة كاملة، للماضى، للمستقبل، للعائلة. أصبحنا كأننا أيتام، بلا مأوى، بلا دفء، بلا مكان يجمعنا، وحتى اليوم، لم تستطع زوجتى ولا أولادى ولا أحفادى أن يتجاوزوا ما جرى، اقتلعونا من جذورنا، أولادى تزوجوا هنا، وعاشوا حياتهم هنا، وفجأة أصبحت كل هذه الحياة بلا جذور، تطاردهم الكوابيس فى نومهم، يرون شرطة الاحتلال تقتحم أحلامهم، صارت حياتهم منغّصة حتى فى أكثر اللحظات خصوصية».
ثم يقول وهو يضغط على كلماته بحزم: «بيتنا فى حى البستان، لا يبعد سوى 300 متر عن المسجد الأقصى، ليس مجرد موقع جغرافى، بل هو البيت الذى وُلدت فيه قبل 63 عاماً، والذى ظل يحمل رائحة أمى وذكرياتى الأولى حوله أشجار ومزروعات كنت أرعاها، ولا زلت لكنهم لا يريدون أن يبقى أثر لأى شىء حى أو حقيقى يريدون أن يمحوا كل شىء»
وحول مخططات الاحتلال قال: «يريدون تحويل حى البستان إلى حديقة وطنية توراتية يسمونها حديقة الملك داوود، يقولون إن هذا المكان للملك داوود، ويريدون تجريفنا من أجلها، ففى 2010، صدر قرار هدم، وكان يفترض أن يطال الجزء المبنى بعد 1967 فقط، لكنهم انتهزوها فرصة لهدم كل شىء.. يسقطون أيديولوجيتهم على الأرض بالقوة هدفهم الطرد، والإحلال، واستبدالنا بالمستوطنين».
«يضم حى البستان 115 منزلاً مهدداً بالهدم، وأكثر من 1500 شخص فى طريقهم إلى العراء بعد 7 أكتوبر، استغل الاحتلال انشغال العالم بما يجرى فى غزة، وانفرد بالقدس، كل الإجراءات القانونية استُنفدت، قدمت كل ما يمكن تقديمه، لكن القضاء الإسرائيلى ليس محايداً، بل جزء من منظومة الاحتلال حتى إن غُلفت قرارات البلدية بالقانون، فإن المحاكم لا تتعارض أبداً مع نوايا الحكومة لم ولن تنصفنا».
ثم يؤكد بنبرة صارمة: «أنا ضد الهدم الذاتى، الاحتلال يطلب منا أن نهدم منازلنا بأيدينا، حتى يبعد الضغوط الدولية عنه، ويلقينا فى فخ المسئولية النفسية بأن يرى أولادى وأحفادى أننى أنا من حرمتهم من بيتهم ورفضت ذلك، حتى لو اضطررت لدفع 9 آلاف دولار غرامة، فالخسارة الحقيقية لا تُقدر بالمال».
ويضيف: «البلدية لا تملك وثائق ملكية، المنازل هنا موروثة أباً عن جد لكنهم يختلقون ثغرات قانونية للهدم لا تكون القضية نزاعاً على الملكية، بل على مبنى غير مرخص، رغم أنهم هم من يمنعون التراخيص أصلاً».
وفى النهاية، يختم حديثه بصوت مهتز يقاوم البكاء: «لم يكن شعوراً عادياً.. بل من أصعب المشاعر التى يمكن أن يعرفها الإنسان، أن تشعر بالقهر، بالعجز، بأنك لا تستطيع الدفاع عن بيتك، ولا عن أطفالك، شعور الظلم يمزقك، أتذكر لحظة قدوم الجرافات، كانت لحظة موت جماعى، رأيت مملكتى تُهدم، مملكة زوجتى، مملكة أولادى، ذكريات عمر كامل أصبحت تحت الأنقاض، والسبب قانون القوة، قانون الاحتلال، وحين يشعر الإنسان بالعجز تنقلب الدنيا كلها سواداً».