شبكة عنكبوتية.. علماء يلتقطون أول صور لربط المجرات ببعضها
شبكة عنكبوتية.. علماء يلتقطون أول صور لربط المجرات ببعضها
في قفزة نوعية غير مسبوقة في مجال الفيزياء الفلكية، حقق علماء الفلك إنجازًا تاريخيًا بأول صورة مباشرة للشبكة الكونية، وهي بنية شاسعة وغير مرئية إلى حد كبير، تلعب دورًا محوريًا في تكوين المجرات وتوسع الكون، تربط هذه الشبكة الكونية، التي تُوصف غالبًا بـ«الهيكل العظمي» للكون، المجرات عبر خيوط رفيعة من الغاز والمادة المظلمة، ومع ذلك، لم تكن هذه الخيوط موجودة حتى الآن إلا كنماذج ومحاكاة نظرية، لكن بفضل أحدث تقنيات الرصد، التقط العلماء صورة حقيقية لأحد هذه الخيوط، ما يُرسّخ عقودًا من الفرضيات العلمية.
علماء يلتقطون صورا للطرق المخفية التي تربط المجرات لأول مرة
نُشرت هذه النتائج في مجلة «نيتشر أسترونومي»، وتُمثل إنجازًا بارزًا في فهمنا للبنية الكونية، وتُقدم رؤى جديدة حول العمليات التي تُحكم تطور المجرات، من خلال فحص نجمين زائفين قديمين يبعدان عنا أكثر من 11 مليار سنة ضوئية، كشف فريق من الباحثين بقيادة جامعة ميلانو-بيكوكا ومعهد ماكس بلانك للفيزياء الفلكية عن خيط خافت يربط بين هاتين المجرتين البعيدتين، ويُمثل هذا الخيط، الممتد على مسافة مذهلة تبلغ 3 ملايين سنة ضوئية، عنصرًا حيويًا في الشبكة الكونية التي لطالما طُرِحت نظريات حولها ولكن لم تُرصد مباشرةً، يُمهد هذا الاكتشاف الطريق لدراسات أكثر شمولًا قد تُلقي الضوء في نهاية المطاف على البنية الشاسعة وغير المرئية للكون.
التقاط الخيوط الكونية المراوغة
الصورة الجديدة، التي أُتيح التقاطها بواسطة جهاز المستكشف الطيفي متعدد الوحدات (MUSE) على متن التلسكوب العملاق (VLT) التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي في تشيلي، قد وفرت مستوى غير مسبوق من الوضوح في دراسة الخيوط الكونية، لم يكن هذا إنجازًا سهلًا، فالخيوط المملوءة بالغاز خافتة للغاية، وكان من الصعب عزلها عن الضوضاء الخلفية المحيطة، ومع ذلك، مكَّن جهاز MUSE القوي العلماء من جمع أطياف مفصلة من كل بكسل من الصورة، ما مكّنهم من تمييز التوهج الخافت لانبعاثات الهيدروجين من الخيوط.
يظهر هذا الخيط، الذي يبدو كخيط غازي رقيق يمتد بين الكوازارين، تدفقًا واضحًا لغاز الهيدروجين يتحرك على طول «الطرق السريعة الجاذبية» للشبكة الكونية، ويُعد هذا التدفق أساسيًا لتكوين النجوم الجديدة والنمو الشامل للمجرات، وعلى حد تعبير دافيد تورنوتي، طالب الدكتوراه في جامعة ميلانو-بيكوكا وقائد الدراسة: «من خلال التقاط الضوء الخافت المنبعث من هذا الخيط، الذي سافر لمدة تقل عن 12 مليار سنة ليصل إلى الأرض، تمكنا من تحديد شكله بدقة».
هذه الملاحظة ليست مجرد التقاط صورة بعيدة؛ بل تُقدم إثباتًا هامًا لنظرية نمو المجرات عن طريق سحب الغاز عبر هذه الهياكل الشبكية، فبدلًا من جمع سحب غازية معزولة، يبدو أن المجرات تسحب المادة عبر خيوط مترابطة، ما يعزز نموذج المادة المظلمة الباردة، الذي يفترض أن 85% من مادة الكون غير مرئية للتلسكوبات العادية، وأنها تشكل العمود الفقري لهذه الهياكل الكونية.
خيوط الشبكة الكونية ليست مجرد روعة بصرية، بل هي أساسية لفهم العمليات الجارية لتكوين المجرات، فمع تدفق الغاز عبر هذه الخيوط، يُغذي الحواف الخارجية للمجرات، حيث يُغذي تكوين النجوم الجديدة، وبدون هذا التدفق المستمر للغاز، سينفد وقود المجرات في النهاية، مما يُوقف تكوين النجوم في غضون بضع مئات الملايين من السنين.
