«جايلك يا حبيبتي».. كلمات قالها بشارة واكيم في مشهد الوداع الأخير
«جايلك يا حبيبتي».. كلمات قالها بشارة واكيم في مشهد الوداع الأخير
في أيامه الأخيرة، عاش الفنان بشارة واكيم صراعًا جسديًا ونفسيًا مؤلمًا بين جسدٍ أنهكه المرض وعزيمة فنان لم تتوقف عن الحلم بالوقوف على خشبة المسرح حتى آخر نفس.
صراع مع الشلل
بدأ الشلل يتسلل إلى جسده، حتى إن صديقه المقرب نجيب الريحاني نصحه بأن يستريح، قائلًا له: "كفاية مجهود يا بشارة وبلاش مسرح". لكن بشارة، الذي كان يرى في المسرح حياته، رفض التراجع وقال بحسم: "همثّل يعني همثّل". وهو ما جعل الريحاني، الذي كان يعاني بدوره من الذبحة الصدرية ويأخذ الحقن في الكواليس ليستطيع إكمال العروض، يتراجع عن كلامه حين لاحظ وقع كلماته على صديقه، وقال له مازحًا: "خلاص كمّل يا سيدي، واعتبرني ما قلتش حاجة".
رغبة بشارة واكيم في البقاء بالمسرح
تأثر الريحاني كثيرًا برغبة بشارة واكيم في البقاء بالمسرح، فقرر -كما نقل عدد 8 ديسمبر 1949 من مجلة المصور- أن يعطيه أدوارًا صغيرة تُرضي رغبته دون أن تُجهده، وقال لمقربين منه: "أنا أبقى مجرم لو ما عملتش كده". سارت الأمور على هذا النحو حتى توفي نجيب الريحاني في يونيو 1949، ليتلقى بشارة الصدمة الكبرى، والتي فاقمت من تدهور حالته الصحية، حيث كان نجيب من أقرب المقربين له.
في تلك الأثناء، ومع شدة المرض، جاءت نصيحة الأطباء لبشارة بضرورة الابتعاد عن المسرح، لكن قلبه لم يستطع الابتعاد، فقرر العودة للخشبة رغم المرض، وطلب من بديع خيري الذي كان وقتها يتولى مسؤولية فرقة الريحاني أن يساعده على تحقيق حلمه، فوافق بديع على مضض. وفي اليوم الأول فوجئ بشارة بأن الاستقبال الجماهيري لم يكن كما اعتاد، لا تصفيق، لا ضحك، فقط صمت ثقيل خنق اللحظة. الأمر الذي جعله يتسلل إلى غرفته وهو يتساءل: "معقول؟ هذا نفس الجمهور الذي كان يصفق لي كل ليلة؟".
وبينما يحاول أن يستوعب ما حدث، رأى بديع خيري في طريقه، ففهم من نظراته أنها نظرات "استغناء"، وكأنها شهادة نهاية فنية لرجل خدم المسرح لعشرين عامًا.
عاد واكيم إلى منزله محبطًا، واتخذ قرارًا بأنه لن يعود إلى المسرح مرة أخرى، وهو القرار الذي تمسك به لأيام، حتى جاءه الفنان نعيم مصطفى يطلب منه الانضمام إلى فرقته الجديدة لتقديم مسرحية "خطف مراتي".
وافق بشارة على المشاركة، وفي اليوم الأول للعرض، وبحسب مجلة المصور، ذهب واكيم إلى المسرح ليجد اسمه مكتوبًا بخط كبير على الباب، أكبر من اسم صاحب الفرقة وبطلتها كاميليا، فشعر بأنه عاد شابًا كما كان. وزاد حماسه عندما دخل إلى الخشبة، واستقبله الجمهور بحفاوة أعادت له الروح، لكنه سرعان ما صُدم عندما حاول الحديث ولم يصل صوته للجمهور، فساد الصمت حتى صرخ أحدهم: الصوت.. مش سامعين حاجة.
إبعاد إجباري عن القاهرة
حاول بشارة أن يرفع صوته، لكن بلا جدوى، فذرفت عيناه الدموع وغادر المسرح محطمًا. فيما اشتد عليه المرض بعدها، ونُقل للمستشفى بعد أن اقترح الأطباء سفره إلى السويس للراحة وحتى يبتعد عن المسارح، وهو الطلب الذي وافق عليه على مضض، حيث سافر مضطرًا مع ابن شقيقته. وهناك تحسنت حالته قليلًا، فطلب العودة إلى القاهرة.
وفي يوم عودته، فاجأ ابن أخته بطلب قائلًا: نفسي أتمشى في شارع عماد الدين. فذهب معه، وراح بشارة يتجول وهو يحكي لابن شقيقته عن أمجاده ومسرحياته، وكأنها تُروى للمرة الأولى رغم تكرارها. ولما شعر بالتعب، قال له: عايز أشوف خشبة مسرح الريحاني.
وقتها شعر ابن شقيقته أنه ربما يكون الطلب الأخير، فذهب معه وعند المسرح، فتح لهم الغفير الباب، وما إن رأى بشارة الخشبة حتى ألقى بنفسه عليها باكيًا وهو يردد: "جايلك يا حبيبتي، جايلك"، في مشهد مأساوي أبكى كل من رآه. بحسب "المصور".
يوم الرحيل
وبعد أن دخل في حالة تشبه الصرع، نُقل بشارة واكيم إلى المستشفى، وهناك أُسدل الستار على آخر مشاهد حياته، حيث لفظ أنفاسه الأخيرة في 29 نوفمبر 1949، بعد خمسة أشهر فقط من رحيل صديقه ورفيق دربه نجيب الريحاني.