كواليس فيلم «حسن ونعيمة».. رُشح لبطولته عبدالحليم حافظ وفاتن حمامة
كواليس فيلم «حسن ونعيمة».. رُشح لبطولته عبدالحليم حافظ وفاتن حمامة
في أحد الأيام من العام 1958، حلّ الشاعر والكاتب عبدالرحمن الخميسي ضيفًا على بيت والد سعاد حسني، وهناك لمح الموهبة الاستثنائية المختبئة خلف خجلها. قال لها جملة بدت غريبة في حينها: "إنتِ هتبقي نجمة في يوم من الأيام"، حتى إن ابنه الذي كان يرافقه في الزيارة سأله بعد مغادرة البيت: "انت ليه قلت لها كده؟"، ليرد الخميسي: "لأنها هتبقى نجمة فعلًا".
سعاد على خشبة المسرح.. لأول مرة
كان الخميسي يُحضّر وقتها لمسرحية "هاملت"، وقرر أن يمنح سعاد أول دور تمثيلي في حياتها ليكشف عن موهبتها أمام الجميع. ورغم ترددها، إلا أنها وافقت في النهاية على أن تخوض التجربة، وخطفت الأضواء بشخصية "أوفيليا" حبيبة هاملت، وجعلت الكل يشهد لها وبموهبتها.
من الإذاعة إلى الشاشة.. مشروع "حسن ونعيمة"
مع نجاح المسرحية، راح الخميسي يُحضّر لمشروع جديد بتحويل المسلسل الإذاعي الناجح "حسن ونعيمة" إلى فيلم سينمائي. اتفق مع المخرج الكبير هنري بركات على أن يتولى مسؤولية الإخراج، ومع موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب ليتولى الإنتاج.
أول خلاف على الأبطال
في أولى جلسات الترشيحات، قرر الخميسي وعبدالوهاب وبركات تقديم الفيلم بوجوه جديدة. فاختار الخميسي وبركات أن يكون بطلا الفيلم الوجه الجديد سعاد حسني والمطرب الشاب محرم حسين في أول تجربة سينمائية له، لكن عبدالوهاب اعترض بشدة وقال: "الاثنين دول صعب نبيع الفيلم بيهم، مين هيوزع فيلم بطولة اثنين جداد؟"، وهنا ردّ بركات بأن القصة حققت نجاحًا إذاعيًا ضخمًا، وبالتالي الجمهور سيتحمس للفيلم.
وحتى يمسك بالعصا من المنتصف، اقترح عبدالوهاب حلًا وسطًا: "نخلي محرم ومعاه فاتن حمامة، أو نخلي سعاد ومعاها عبدالحليم حافظ أو أحمد رمزي"، لكن الخميسي وبركات أصرا على المغامرة الكاملة بإسناد البطولة لمُحرم وسعاد، وهو ما استجاب له موسيقار الأجيال أخيرًا.
صدام محرم وعبدالوهاب
بعد موافقة عبدالوهاب، اتصل عبدالرحمن الخميسي بسعاد حسني ليبلغها الخبر، فيما اتصل بمحرم ليحضر إلى مكتب عبدالوهاب لتوقيع العقد. وعندما حضر محرم وعرف أن الفيلم سيضم خمس أغنيات: أربع له، وواحدة لسعاد، وأن عبدالوهاب، بعد الاستماع إلى صوتها، قرر تأجيل غنائها، قال محرم إنه يرى أن أغنيتين فقط كافيتان، فيما رفض أن تكون الألحان لعبدالوهاب، وهو ما جعل الأخير ينسحب من الجلسة، بينما برر محرم وجهة نظره قائلًا: "لو عبدالوهاب لحّن لي في أول فيلم، يبقى مين هيلحّن لي بعده؟".
البديل المقترح
مع تصاعد الأزمة، بدأ البحث عن بديل، ووقع الاختيار على المطرب ماهر العطار، لكنه رفض لأن الدور يتطلب ارتداء جلابية، وقال: "أنا مطرب الجامعات، إزاي أمثل بجلابية؟"، وهو ما جعل فريق العمل يعود مجددًا لترشيح محرم في محاولة لتقريب وجهة النظر بينه وبين موسيقار الأجيال، والذي تفهّم أخيرًا وجهة نظر المطرب الشاب، وتم الاتفاق على أن يلحّن محمد الموجي الأغنيتين، فيما تم الاتفاق يومها على تغيير اسم محرم من "محرم حسين" إلى "محرم فؤاد"، لأن عبدالوهاب رأى أن الاسم القديم يبدو كاسم ضابط أو طبيب وليس اسمًا فنيًا.
سعاد وسط الفلاحات ودروس في التمثيل
بدأ تصوير الفيلم بالمشاهد الداخلية في استوديو ناصبيان، بينما تقرر تصوير المشاهد الخارجية في قرى الفيوم. وقبل السفر، طلبت سعاد أن تسبق الفريق لتعيش مع الفلاحات، وتتعلم مشيتهن وطريقة كلامهن.
في نفس الوقت، خضعت سعاد حسني لدروس مكثفة في القراءة على يد الفنان الكبير إبراهيم سعفان، بينما دروس الأداء كانت من اختصاص الفنان الكبير محمد توفيق، الذي ظهر معها في الفيلم بدور "ابن صبيحة".
صدمة رمضان واختفاء مُحرم
من أبرز المشاهد التي تحدث عنها بركات في حوار تلفزيوني كان تصوير مشهد "وليمة كبيرة" بالقرية، حيث كان وقتها في رمضان، ورفض الأهالي الذين استعان بهم من القرية المشاركة في المشهد خوفًا من أن يُطلب منهم تناول الطعام، لكن بركات أوضح لهم أنه "تمثيل وكده وكده"، فوافق الأهالي على المشاركة، لكن أثناء التصوير أكل أحدهم فعليًا، فانهال عليه الآخرون بالضرب، واندلعت "خناقة" أفسدت المشهد وخسر الإنتاج تجهيزاته.
بعد انتهاء تصوير مشاهد القرية، منح بركات فريق العمل أسبوعا راحة، فسافر مُحرم إلى الإسكندرية، لكنه اختفى تمامًا لمدة 9 أيام. وحين فشل بركات في العثور عليه، نشر إعلانًا في الصحف يطلب عودته للاستوديو.
يقول مُحرم في لقاء تلفزيوني: "مش عارف الوقت عدى إزاي وماخدتش بالي إن الأسبوع فات، وبقيت أدور على أي حاجة ترجعني القاهرة، لحد ما لقيت عربية نقل جرايد، دفعت للسواق بتاعها 50 قرش، وأنا قاعد جنبه لقيت صورتي منشورة مع خبر بركات اللي بيطلب فيه مني إني أرجع، فخبيت الجورنال بسرعة بدل ما يفتكرني عامل عملة".
دعاية مبتكرة ونجاح جماهيري
عند عرض الفيلم في 2 مارس 1959، دعت الشركة كل من يحمل اسم "حسن" وكل من تحمل اسم "نعيمة" لحضور العرض مجانًا، وكتبت الشركة في حملتها الدعائية: "لكل حسن، وكل نعيمة، أنتم مدعوون لمشاهدة فيلم حسن ونعيمة بالمجان، بشرط إبراز البطاقة الشخصية".
وفي العرض الأول، طاف الجمهور بمُحرم فؤاد الشوارع، لدرجة أن الشرطة تدخلت لإنقاذه، فيما دفع نجاح الفيلم إحدى الشركات لإطلاق نوع جديد من الأقمشة باسم "رمش عينه"، نسبة لأغنية الفيلم.
الجزء الثاني الذي لم يُكتب له أن يولد
بعد نجاح الفيلم، فكّر المؤلف والمخرج اللبناني وسيم طبارة في تقديم جزء ثانٍ من العمل تلعب بطولته صباح، يكشف مصير حسن ونعيمة بعد الزواج واستمرار الصراعات الأسرية. اتفق طبارة مع إبراهيم مرسي لكتابة السيناريو، لكن بعد فترة، ظهرت خلافات ومشكلات إنتاجية تسببت في إلغاء المشروع نهائيًا.