مصطفى حمد يكتب.. يوم النوبة العالمي والأجيال الجديدة
مصطفى حمد يكتب.. يوم النوبة العالمي والأجيال الجديدة
إذا سرت في شوارع مصر وسألت أحدًا عن النوبيين سيجيبك بلا تردد أو برهة تفكير، قائلاً: «أطيب ناس في مصر».. تلك حقيقة يعرفها كل من تعامل مع النوبيين، سواء من خلال الجيرة أو الزمالة في العمل أو حتى لقاء في ميكروباص لمدة دقائق معدودات، فهم معروفون بسيماهم، وكأن المكان الذي احتواهم منذ فجر التاريخ انعكس على أخلاقهم فحفر النيل جداوله على وجوههم فباتت مبهجة، وتلاعبت غدائر النخيل بالنسمات على قلوبهم فأضحت حنونة؛ فسلامًا على «بلاد الجمال رباني» في يومهم العالمي.
يمر يوم 7 يوليو من كل عام، وتأتي معه الاحتفالات بيوم النوبة العالمي، إحياء للتراث والثقافة النوبية، وكان لاختيار هذا اليوم منذ عام 2004 دلالة عميقة ترتبط بالتقاليد النوبية التي تبنى في الأساس على الرقم 7، مثل طقوس الولادة والوفاة والزواج وغيرها؛ ولكن لا يشغلني الحديث هنا عن سبب الاختيار وذكر المناسبات؛ بقدر ما يهمني أن أطرح مقترحًا أراه مهمًا جدًا وسط ما تمر به المنطقة من صراعات، لا سيما ما يشهده السودان الشقيق من توترات شديدة التعقيد؛ هذا المقترح دفعني إليه سؤال أحد الأطفال على موقع التواصل «فيس بوك»، إذ علق على فيديو انتشر لاعتزال لاعب الزمالك محمود عبد الرازق شيكابالا وهو يتحدث عن موطنه، فقال الطفل: «هي فين منطقة النوبة دي؟».
وحاوطتني أسئلة كثيرة بعد قراءة التعليق السابق، ولم يسعني إلا أن أستغل فرصة الاحتفال باليوم العالمي للنوبة، وأقترح أن تفعل مبادرة قديمة طالب بها كثير من المفكرين، وهي أن يكون شهر يوليو بأكمله هو شهر الاحتفال بالثقافة النوبية، وهذا دور أتمنى أن تتبناه وزارة الثقافة على أرض الواقع من خلال مراكزها ومجالسها وهيئاتها عبر الندوات والأفلام للاحتفاء بالرموز النوبية التي قدمت الكثير من أجل بناء الوطن وتقدمه؛ أمثال المشير محمد حسين طنطاوي وأحمد إدريس صاحب استخدام الشفرة النوبية في حرب أكتوبر، ومحمد خليل قاسم وحمزة علاء الدين، وأحمد منيب، ومحمد منير، وإبراهيم شعراوي وغيرهم كل في مجاله.
ويبرز السؤال الجوهري: لماذا لا نستغل هذا الحدث الثقافي للترويج إلى الثقافة النوبية من أجل تعريف الأجيال الجديدة بجزء مصري أصيل، فبتراثها تتلاحم مع غيرها من المجتمعات المصرية الأخرى لتشكيل نسيج الثقافة المصرية وإثراء التعددية الثقافية؛ كوسيلة لتوعية الأجيال الجديدة بهذه المنطقة التي تُعد المفتاح الجنوبي لمصر. فالنوبة هي بوابة مصر إلى أفريقيا عبر التاريخ، فلا يخفى على أحد التشابه الجلي بين الثقافتين الأفريقية والنوبية والعادات والتقاليد نظرًا للقرب أو التصاهر؛ ففي السودان وغيرها من الدول الأفريقية يوجد العديد من النوبيين والتقاء اللغة النوبية ببعض اللغات الأفريقية في بعض أشكالها ومفرداتها.
وفي يوم النوبة العالمي، كل عام والنوبيون بخير وسعادة وأكثر شعوب العالم تحضرًا وأمانة وإخلاصًا وتضحية ومحبة وطيبة ونقاء وفخرًا بحضارتهم وتمسكًا بخصوصيتهم التي تكشف التنوع المصري الذي ينطوي على وحدة ضاربة في جذور التاريخ، شعب واحد لم تنجح كل محاولات تقسيمه أو ذوبانه في ثقافات أخرى على مر العصور.