«النووي».. لماذا «مسموح» لإسرائيل و«ممنوع» على إيران؟

كتب: محمود العيسوي

«النووي».. لماذا «مسموح» لإسرائيل و«ممنوع» على إيران؟

«النووي».. لماذا «مسموح» لإسرائيل و«ممنوع» على إيران؟

فيما تشتد الحملات السياسية والإعلامية الأمريكية ضد احتمال امتلاك إيران لسلاح نووى، وتُطلق التهديدات يومياً من قادة الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، تواصل إسرائيل، التى تمتلك بالفعل ترسانة نووية سرية، التصرف كـ«دولة مارقة»، دون حسيب أو رقيب. والسؤال الجوهرى الذى يتجاهله الجميع هو: «لماذا يُمنع على إيران ما يُغضّ الطرف عنه عندما يتعلق بإسرائيل؟».

وللإجابة عن هذا السؤال، ذكرت صحيفة «كرنت أفيرز» أنه لطالما برَّر الساسة الأمريكيون رفضهم امتلاك إيران قنبلة نووية بأن طهران قد تُسرب هذه الأسلحة إلى جماعات مسلحة مثل «حزب الله»، ورغم أن خطر الانتشار النووى حقيقى، إلا أن التاريخ يُظهر أن إسرائيل نفسها ارتكبت نفس الجُرم الذى تتهم إيران به، ففى عام 2010، كشف تحقيق لصحيفة «الجارديان» البريطانية أن مسئولين إسرائيليين أجروا تجارب نووية محتملة مع نظام الفصل العنصرى فى جنوب أفريقيا فى سبعينات القرن الماضى، بل وحاولوا بيع رؤوس نووية إلى بريتوريا، حيث أظهرت الوثائق، التى تم الكشف عنها لاحقاً، أن شيمون بيريز، وزير الدفاع الإسرائيلى آنذاك، عرض بيع صواريخ نووية إلى جنوب أفريقيا، فى صفقة لم تتم فقط بسبب ارتفاع التكلفة، لكن جنوب أفريقيا، بالمقابل، زوَّدت إسرائيل بما يُعرف بـ«اليورانيوم الأصفر»، الذى استُخدم لاحقاً فى تطوير الأسلحة النووية الإسرائيلية. وفى هذا الإطار، تساءلت الصحيفة الأمريكية: «فهل هذه هى سلوكيات دولة يُفترض أنها مسئولة فى تعاملها مع أخطر أسلحة عرفها الإنسان؟».

«كرنت أفيرز»: «تل أبيب» قدَّمت دعماً نووياً لنظام الفصل العنصرى فى جنوب أفريقيا مقابل الحصول على «اليورانيوم الأصفر»

ومنذ هجمات 7 أكتوبر 2023، وتصاعُد رد الفعل الإسرائيلى الدموى ضد غزة، بدت حكومة بنيامين نتنياهو أكثر تهوراً وخطورة من أى وقت مضى، فالحرب الحالية، التى اعترفت منظمات حقوقية بارزة بأنها تندرج ضمن تعريف «الإبادة الجماعية»، كشفت عن مدى «استهتار» إسرائيل بالقانون الدولى، كما أن نتنياهو نفسه صدرت بحقه مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية، لكنه رد بـ«عنجهية» قائلاً: «لا أحد سيوقفنا، لا لاهاى ولا غيرها»، فى خطاب يعيد إلى الأذهان تصريحات مجرمى الحروب فى البلقان، لكن الأخطر من ذلك أن إسرائيل باتت تلوِّح، وبشكل مباشر، باستخدام السلاح النووى. ووفقاً لما أورده الصحفى الأمريكى الشهير سيمور هيرش، فى كتابه بعنوان «خيار شمشون»، فإن إسرائيل تتبنى عقيدة نووية مفادها أنه فى حال تعرُّضها لـ«خطر وجودى»، فإنها قد تلجأ إلى ضربات نووية غير متناسبة، قد تطال مدناً ومراكز سكنية، وليس أهدافاً عسكرية فقط، وهذه العقيدة مأخوذة من قصة «شمشون» التوراتية، الذى أسقط المعبد على نفسه وأعدائه، واعتبر التقرير أن نتنياهو يقود بلاده والعالم إلى ذات المصير.

فى سبتمبر 2023، قال نتنياهو صراحة، فى ذات الخطاب الذى توعَّد فيه بمنع إيران من امتلاك السلاح النووى: «يجب على إيران أن تواجه تهديداً نووياً موثوقاً»، ورغم أنه تراجع عن التصريح لاحقاً، إلا أن الضرر كان قد وقع، وظهر أن إسرائيل لا تكتفى بالتحذير من خطر نووى إيرانى، بل تمارسه هى ذاتها، كما ذهبت تصريحات أخرى لمسئولين إسرائيليين إلى أبعد من ذلك، ففى أعقاب هجمات 7 أكتوبر، دعت عضو الكنيست من حزب «الليكود»، رفيطال جوتليف، إلى استخدام قنبلة نووية ضد غزة، وفى نوفمبر 2023 أيَّد وزير التراث فى حكومة نتنياهو، عميحاى إيلياهو، من حزب «عظمة يهودية»، ذات الفكرة علناً، ولم يُطرَد من الحكومة رغم تعليقه المؤقت، ما يشير إلى أن استخدام السلاح النووى لم يعد من المحرمات فى الخطاب السياسى الإسرائيلى.

فى الوقت ذاته، واصل نتنياهو تفكيك مؤسسات الدولة المدنية، حيث حاول تمرير قوانين تُضعف استقلال القضاء، وتمنح صلاحيات شبه مطلقة لحكومته، ما دفع حتى أصواتاً مؤيِّدة لإسرائيل، مثل الصحفية والمؤرخة الأمريكية البولندية «آن أبلباوم» إلى التحذير من تحوُّل إسرائيل إلى «دكتاتورية بحكم الأمر الواقع»، أما فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، فالحديث عن الديمقراطية الإسرائيلية يبدو «سخرية مُرة»، كما أن الخطير فى الأمر أن نتنياهو، وفقاً لما أورده الصحفى الأمريكى توماس فريدمان، يتخذ قراراته بناءً على قاعدة بسيطة: «عليه أن يبقى فى السلطة حتى لا يذهب إلى السجن»، فى ظل محاكمته فى ثلاث قضايا فساد منذ 2019، وهو ما يدفعه إلى تصعيد الحرب فى غزة، وشن هجمات ضد إيران وسوريا ولبنان، سعياً لإطالة أمد الأزمة، وحشد أكبر قدر من الدعم الداخلى والدولى.

وبحسب صحيفة «كرنت أفيرز» فإن الخطر لا يقتصر فقط على الشرق الأوسط، فحتى ضربة نووية واحدة على مدينة فى غزة أو اليمن أو إيران، قد تتسبب فى كارثة بيئية وصحية وإنسانية هائلة، فالأسلحة النووية الحديثة أقوى بعشرات المرات من قنبلة «هيروشيما»، وإذا ما اندلعت حرب نووية إقليمية، يُستخدم فيها مائة رأس نووية فقط، فإن العلماء يحذرون من شتاء نووى يعصف بالمناخ العالمى والزراعة، ويُهدد أكثر من مليارَى إنسان بالمجاعة، وأكدت الصحيفة أنه بينما يحذر البعض من قنابل كوريا الشمالية، أو ترسانة روسيا، أو حتى طموحات إيران المحتملة، فإن الترسانة الإسرائيلية تمثل تهديداً أكثر واقعية وخطورة، إنها «ليست نظرية، بل حقيقة سرية، تتعامل معها القوى الغربية بصمت وتواطؤ».

واختتمت الصحيفة تقريرها بالقول إنه حتى تستعيد الولايات المتحدة دورها كوسيط سلام حقيقى، عليها أن تتخلى عن انحيازها الأعمى إلى إسرائيل، وتتخذ موقفاً متوازناً تجاه جميع الأطراف، بما فيها إيران، ويمكن للولايات المتحدة، إن أرادت، أن تحذو حذو الصين، التى نجحت فى عام 2023 فى تحقيق اتفاق تاريخى بين إيران والسعودية، لأنها لم تكن طرفاً منحازاً، إلا أن المفارقة أن بعض الأصوات من «الهامش» الجمهورى تبدو أكثر وعياً من قادة الحزب الديمقراطى، ومنهم عضو الكونجرس، توماس ماسى، الذى قدَّم مشروع قانون يمنع الإدارة الأمريكية من شن حرب على إيران، كما دعا النائب مات جايتس، رغم تاريخه المثير للجدل، إلى صفقة نزع سلاح متبادل بين إسرائيل وإيران، وهى فكرة أكثر واقعية من طموحات الحرب لدى بعض الديمقراطيين، وحالياً تحاول واشنطن فرض معادلة مزدوجة مفادها «إسرائيل لها الحق فى امتلاك النووى، بل وتهديد الآخرين به، أما إيران فلا يُسمح لها حتى بالتفكير فى ذلك»، هذه المعادلة لا يمكن أن تصمد، إما أن يكون لكل طرف نفس الحق، أو لا يكون لأى طرف على الإطلاق، والخيار الثانى هو الأجدى، والأكثر أماناً، أما الاستمرار فى ازدواجية المعايير، فمصيره قد يكون «كارثة عالمية».


مواضيع متعلقة