«جرائم حرب إسرائيلية» تضع الاتحاد الأوروبي في مأزق سياسي وأخلاقي

كتب: محمود العيسوي

«جرائم حرب إسرائيلية» تضع الاتحاد الأوروبي في مأزق سياسي وأخلاقي

«جرائم حرب إسرائيلية» تضع الاتحاد الأوروبي في مأزق سياسي وأخلاقي

فى لحظة سياسية شديدة الحساسية، وجد الاتحاد الأوروبى نفسه فى مواجهة أزمة أخلاقية وقانونية غير مسبوقة مع أحد شركائه الاستراتيجيين فى منطقة الشرق الأوسط، فقد كشفت صحيفة «الجارديان» البريطانية عن تقرير سرى لم يُنشر بعد، أعدته دائرة العمل الخارجى للاتحاد الأوروبي، يتضمن ما وصفته بـ«مؤشرات» قوية على أن إسرائيل، بقيادة حكومة بنيامين نتنياهو، تنتهك التزاماتها فى مجال حقوق الإنسان، نتيجة سلوكها فى قطاع غزة والضفة الغربية.

يأتى هذا التقرير فى وقت تتصاعد فيه التحذيرات الدولية من «تدهور غير مسبوق» للأوضاع الإنسانية للفلسطينيين فى قطاع غزة، حيث يتعرض مئات الآلاف من المدنيين لانتهاكات جسيمة، تشمل القتل اليومى، أثناء انتظارهم للحصول على الغذاء، وانتشار المجاعة، وانهيار كامل للبنية التحتية للمياه، وسط حصار خانق يفرضه جيش الاحتلال الإسرائيلى على القطاع الفلسطينى منذ ما يقرب من 20 عاماً.

وبحسب التقرير، الذي من المتوقع أن يجرى تقديمه إلى الحكومة الإسرائيلية خلال الأيام القليلة المقبلة، خلصت مؤسسات الاتحاد الأوروبى إلى أن هناك «دلائل واضحة» على أن إسرائيل قد تكون أخلّت بالتزاماتها الدولية فى مجال حقوق الإنسان، وهو ما يُعد انتهاكاً للمادة الثانية من اتفاقية الشراكة بين الجانبين، والتى تنص بوضوح على أن احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية يُعد «عنصراً جوهرياً» فى هذه العلاقة.

وتُعد اتفاقية الشراكة، التى دخلت حيز التنفيذ عام 2000، الإطار الرئيسى الذى يحكم العلاقات بين الاتحاد الأوروبى وإسرائيل، وتشمل مجالات متعددة، تتجاوز التجارة، لتشمل التعاون الاجتماعى والبيئى، فضلاً عن العلاقات السياسية، وقد دعا عدد من الدول الأوروبية، المتأثرة بصور الدمار البشرى المتداولة من غزة، إلى مراجعة هذه الاتفاقية، مما دفع الممثلة العليا للسياسة الخارجية فى الاتحاد الأوروبى كايا كالاس، إلى إطلاق هذه المراجعة رسمياً خلال شهر مايو الماضى.

ووفقاً للصحيفة البريطانية، فإن «المفارقة» المثيرة للجدل تتمثل فى أن التقرير، رغم ما يتضمنه من استنتاجات حساسة، لا يبدو أنه سيدفع الاتحاد الأوروبى إلى اتخاذ خطوات عقابية ضد إسرائيل فى الوقت القريب، حيث ترجح التسريبات أن يتم عرض التقرير أولاً على وزراء خارجية الدول الأعضاء فى الاتحاد الأوروبى خلال اجتماع يُعقد هذا الأسبوع فى العاصمة البلجيكية بروكسل، وذلك فى محاولة لتقييم مدى الدعم السياسى داخل التكتل لمواصلة هذا المسار، ومناقشة الخيارات المتاحة.

«الجارديان»: تقرير سرى يكشف «مؤشرات» على انتهاكات جيش الاحتلال لحقوق الإنسان ضد أهالى قطاع غزة والضفة الغربية

وبينما أشارت «الجارديان» إلى أنه من المتوقع أن تُعرض قائمة بالخيارات الممكنة فى يوليو المقبل، تتراوح بين تعليق جزئى أو كامل لاتفاقية التجارة، إلى تجميد مشاركة إسرائيل فى برامج التعاون الأوروبى، غير أن هذه الخيارات، رغم رمزيتها، ستحتاج إلى إجراءات قانونية معقدة، وموافقة جماعية، وهي أمور تُعد صعبة فى ظل الانقسامات التقليدية داخل الاتحاد، بشأن الموقف من إسرائيل.

وفى الوقت الذى تتردد فيه العواصم الأوروبية فى التحرك، تُسجل غزة أرقاماً كارثية فى أعداد الضحايا المدنيين، بما فيهم الأطفال والنساء، حيث يعيش أكثر من مليونى إنسان بلا ماء أو طعام أو رعاية صحية، تحت حصار يرقى إلى ما وصفته منظمات أممية بـ«جريمة حرب»، وفى ظل هذا التدهور المستمر، يُطرح السؤال بقوة: «هل سيظل الاتحاد الأوروبي أسير البيروقراطية واللغة الدبلوماسية، أم سيتخذ خطوات حقيقية تُعيد الاعتبار لمبادئه المعلنة بشأن حقوق الإنسان والديمقراطية؟».

واختتمت الصحيفة البريطانية تغطيتها بالقول إن هذا «التقرير المسرب» يمثل «لحظة فارقة» فى تاريخ العلاقات بين الاتحاد الأوروبى وإسرائيل، ليس فقط لأنه يكشف عن «خروقات جسيمة»، بل لأنه يضع الاتحاد أمام امتحان حقيقى لمصداقيته، فإما أن يُترجم القلق الأخلاقى إلى فعل سياسى، أو أن تستمر ازدواجية المعايير، التى لطالما قوضت ثقة الشعوب بسياسات أوروبا الخارجية، خاصةً تجاه القضايا العربية والفلسطينية.


مواضيع متعلقة