«نفيسة» علّمت الناس بدون مقابل.. والأهالي يطلقون عليها «أم بيلا»
«نفيسة» علّمت الناس بدون مقابل.. والأهالي يطلقون عليها «أم بيلا»
فى أحد أحياء مدينة بيلا، التابعة لمحافظة كفر الشيخ، تسكن السيدة الثمانينية «نفيسة محبوب»، تستقبل «أم بيلا» -كما يلقبها البعض فى المركز الريفى- زوارها فى منزلها البسيط، بابتسامة الأم وصرامة المعلمة، قضت أكثر من أربعة عقود من عمرها فى محو أمية مئات الرجال والنساء، دون أن تنتظر عائداً سوى رضا الله وحروفاً تُنطق لأول مرة على أيدى من كانت تعتبرهم أبناءها، لقناعتها بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما ناله من تعليم، بل بما قدَّمه لغيره.
كانت «نفيسة»، التى تبلغ من العمر 81 عاماً، وصلت فى صغرها إلى الصف السادس الابتدائى، ثم توقفت عن التعليم مرغمة، حتى يستطيع إخوتها الأصغر استكمال دراستهم، إذ كانت تنتمى لأسرة بسيطة مكونة من تسعة أبناء، لم يكن دخل والدهم يكفى الجميع، لكنها خرجت من تلك التجربة وهى تحمل شيئاً لم يُنتزع منها، تقول: «كنت بعرف أقرأ وأكتب وعندى إيمان وثقة بقيمة وأهمية التعليم».
كانت السيدة الثمانينية لا تمتلك أكثر من «حصيرة» و«سبورة» حين بدأت رحلتها فى ثمانينات القرن الماضى، بـ«مضيفة نافع» فى مدينة بيلا، وهناك اجتمع حولها العشرات من الراغبين فى التخلُّص من أميتهم، حيث كان إصرارها وشغفها بالتعليم دافعاً مهماً لتأسيس أول مدرسة مجانية لمحو الأمية وتحفيظ القرآن الكريم فى المحافظة، وأطلقت عليها اسم شقيقها الراحل «أحمد محبوب»، الذى كان نقيباً بالجيش وشارك فى حربَى الاستنزاف وأكتوبر.
ابنة كفر الشيخ: «عملي الصالح في الدنيا اللي هقابل بيه ربنا»
وتحكى بصوت أنهكه الكِبر ويملأه الفخر: «المدرسة كانت مجانية، كنت أملك محلاً صغيراً لبيع الملابس، أنفقت من أرباحه على المدرسة، وتعاون معى بعض الأهالى، وظللت أعمل لسنوات فى صمت، حتى استقبلت ذات يوم الشيخ محمد متولى الشعراوى، وسألته: أكمل ولا أوقف؟ فكان رده محفزاً لها على الاستمرار، حسيت إن دى إشارة من ربنا علشان أكمِّل اللى بدأته، وأسمع الناس وهى بتدعيلى ويبقى هو ده عملى الصالح فى الدنيا واللى هقابل بيه ربنا».
ورغم أن محافظة كفر الشيخ تُعد من المحافظات الأقل فى نسب الأمية على مستوى الجمهورية، فإن ما قامت به «نفيسة» شكَّل فارقاً حقيقياً فى بيلا، التى خرج منها مئات ممن تعلموا على يدها، بعضهم من كبار السن، وبعضهم أطفال وشباب بدأوا أولى خطواتهم التعليمية داخل مدرستها المتواضعة، وبعد كل هذه السنوات، لا تزال الحاجة «نفيسة» تفتح أبواب المدرسة لمن يريد تعلم القراءة والكتابة: «لسه عندى ستات كبار بييجوا يتعلموا علشان يعرفوا يقرأوا المصحف»، مؤكدة أن التعليم لا وقت له، ولا عمر يُقيده.