الاعتراف بدولة فلسطين.. معركة «الضمير الحى» داخل «النواب البريطانى»

كتب: محمود العيسوي

الاعتراف بدولة فلسطين.. معركة «الضمير الحى» داخل «النواب البريطانى»

الاعتراف بدولة فلسطين.. معركة «الضمير الحى» داخل «النواب البريطانى»

فى لحظة تشهد فيها القضية الفلسطينية واحداً من أكثر فصولها دموية، خرج أكثر من 60 نائباً من حزب «العمال» البريطانى عن صمتهم، مطالبين حكومة المملكة المتحدة باتخاذ موقف أخلاقى وسياسى واضح، يتمثل فى الاعتراف الفورى بـ«دولة فلسطين». هذه الدعوة، التى جاءت مدفوعة بمشاعر القلق والغضب، تضع البرلمان البريطانى أمام اختبار حقيقى لمبادئ العدالة وحقوق الإنسان، وسط تحذيرات متصاعدة من خطة إسرائيلية لـ«تهجير قسرى» جماعى للفلسطينيين فى قطاع غزة.

«الجارديان»: رسالة النواب تضع بريطانيا أمام اختبار حقيقى لمبادئ العدالة وحقوق الإنسان

وذكرت صحيفة «الجارديان» البريطانية أن عشرات النواب يمثلون طيفاً واسعاً من التيارات اليسارية والمعتدلة داخل حزب «العمال»، وجهوا رسالة رسمية إلى وزير الخارجية، ديفيد لامى، أعربوا فيها عن إدانتهم الشديدة للخطة الإسرائيلية، التى كشف عنها وزير الحرب فى حكومة الاحتلال، يسرائيل كاتس، مؤخراً، والتى تهدف إلى نقل سكان غزة إلى مخيم أقيم على أنقاض مدينة رفح، ووصف النواب هذه الخطوة بأنها تمثل «تطهيراً عرقياً» vw يهدد بنسف ما تبقى من حقوق الفلسطينيين فى أرضهم.

حملت رسالة النواب إلى وزير الخارجية توقيعات شخصيات بارزة فى حزب «العمال»، من بينهم «سارة أوين، وأندرو بايكس، وديان أبوت، وستيلا كريسى»، وأكدت الرسالة أن ما يجرى للفلسطينيين فى غزة لا يمكن وصفه إلا بأنه «جريمة منظمة ضد الإنسانية»، فى ظل استهداف المدنيين، وتهجيرهم القسرى، وهو ما عبّر عنه المحامى الإسرائيلى المعروف، مايكل سفارد، بقوله إنها «خطة عملياتية لارتكاب جرائم ضد الإنسانية».

وفى واحدة من أكثر فقرات الرسالة تعبيراً عن حجم الفاجعة، بحسب ما أوردت الصحيفة البريطانية، قال النواب: «نكتب إليكم ببالغ القلق والاستعجال، على خلفية إعلان وزير الدفاع الإسرائيلى عن خطته لنقل المدنيين الفلسطينيين قسراً إلى رفح، دون مخرج أو مهرب، هذه ليست خطة عسكرية، بل وصفة لكارثة إنسانية وتطهير عرقى»، وحث النواب الحكومة الجديدة فى المملكة المتحدة، التى يقودها حزب «العمال»، على اتخاذ مجموعة من الإجراءات الرئيسية، من أبرزها «الاعتراف الفورى بدولة فلسطين»، باعتباره رسالة سياسية وأخلاقية تعيد التوازن للسياسة البريطانية تجاه الصراع، وفرض حظر تجارى على منتجات المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية فى الضفة الغربية.

مطالبات النواب زيادة الدعم المالى

كما تتضمن مطالبات النواب زيادة الدعم المالى لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، لضمان استمرار تقديم الخدمات الحيوية للاجئين، فضلاً عن ممارسة الضغط الدبلوماسى لوقف خطة التهجير فى رفح، وكذلك العمل على إطلاق سراح المحتجزين الإسرائيليين لدى حركة «حماس» فى قطاع غزة، كجزء من «تسوية إنسانية متكاملة».

واعتبرت «الجارديان» أنه رغم أن بعض هذه المطالب، مثل دعم «الأونروا»، تتوافق مع السياسة البريطانية القائمة، فإن الدعوة للاعتراف بـ«دولة فلسطين» تمثل تحولاً سياسياً جريئاً من قبل النواب، وتضع الحكومة فى مواجهة مع الضغوط الداخلية والخارجية، خاصةً أن رسالة النواب إلى وزير الخارجية حذرت من أن الاستمرار فى تجاهل الاعتراف بالدولة الفلسطينية من شأنه أن يؤدى إلى نسف مصداقية الحل القائم على الدولتين، ويرسخ واقعاً مريراً من الضم الفعلى للأراضى الفلسطينية، حيث أكد النواب فى رسالتهم: «بامتناعنا عن الاعتراف بفلسطين، فإننا نبعث برسالة خاطئة مفادها أن الاحتلال يمكن أن يستمر بلا عقاب، وأن حق الفلسطينيين فى تقرير المصير ليس أولوية لنا».

وبحسب المتعارف عليه فى السياسة البريطانية الرسمية، فإن الاعتراف بالدولة الفلسطينية يجب أن يتم «فى التوقيت الذى يكون له التأثير الأكبر على عملية السلام»، وهى صيغة يرى كثيرون أنها «مبهمة وغير ملزمة»، تُستخدم لتأجيل القرار، دون سقف زمنى واضح.

تأتى رسالة أعضاء مجلس النواب البريطانى إلى وزير خارجية المملكة المتحدة بالتزامن مع تصريحات للرئيس الفرنسى، إيمانويل ماكرون، خلال مؤتمر صحفى مشترك فى لندن، مع رئيس الوزراء البريطانى، كير ستارمر، دعا خلالها إلى وقف فورى لإطلاق النار فى غزة، واعتراف دولى متزامن بـ«دولة فلسطين»، ونقلت وسائل إعلام بريطانية وفرنسية عن «ماكرون» قوله: «لا مجال للمعايير المزدوجة، حماية الأرواح، ووحدة الأراضى، والعدالة، هى القيم التى يجب أن توجهنا، والاعتراف بفلسطين هو الخطوة المنطقية لتحقيق السلام».

ورغم أن فرنسا لم تعترف رسمياً بعد بـ«دولة فلسطين»، فإنها تمارس ضغوطاً متزايدة على حلفائها الأوروبيين، بما فى ذلك بريطانيا، لدفعهم نحو قرار جماعى، فيما كانت دول أوروبية، مثل إيرلندا وإسبانيا والنرويج، قد اتخذت بالفعل هذه الخطوة الرمزية المهمة.

وأضافت الصحيفة البريطانية، فى تقريرها، أن هذه الرسالة هى الثانية خلال أسابيع، التى يوجهها نواب حزب «العمال» بهذا المضمون، لكنها الأولى التى يعلن فيها الموقّعون عن أسمائهم علناً، فى مؤشر على تصاعد الحراك داخل البرلمان، لمواجهة التردد الرسمى فى تبنّى خطوات جريئة، وأشارت إلى أن الرسالة نسّقتها جماعة «أصدقاء فلسطين والشرق الأوسط» داخل الحزب، وشارك فى التوقيع عليها نواب يتمتعون بنفوذ واضح فى البرلمان البريطانى، منهم رؤساء لجان مؤثرة، وشخصيات سياسية بارزة.

واختتمت «الجارديان» تقريرها بالقول إنه رغم أهمية هذه الخطوة البرلمانية، لا تزال الحكومة البريطانية متمسكة بصياغتها التقليدية، إذ قال المتحدث باسم وزارة الخارجية: «نحن ملتزمون بالاعتراف بدولة فلسطينية فى اللحظة التى يكون فيها لهذا الاعتراف التأثير الأكبر لدعم عملية السلام»، إلا أن التحرك البرلمانى الأخير يضع حكومة كير ستارمر فى مواجهة مع تطلعات «الرأى العام التقدمى» داخل بريطانيا، وكذلك مع «الضمير الأخلاقى» لعدد متزايد من ممثلى الشعب، الذين يرون فى دعم الحق الفلسطينى ضرورة سياسية وإنسانية لا تحتمل التأجيل، وأن الاعتراف بـ«دولة فلسطين» لم يعد مجرد خطوة رمزية، أو قراراً دبلوماسياً مؤجلاً، بل بات «معركة ضمير» داخل مؤسسة تشريعية، يفترض أنها تمثل قيم العدالة وحقوق الإنسان، فى مواجهة واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية فى القرن الحادى والعشرين.


مواضيع متعلقة