الحمير تُفجّر الموقف

كيف تسببت «الحمير» فى ثورة القاهرة الأولى ضد الفرنسيين؟ يحكى «الجبرتى» أن أحوال القاهرة اضطربت أشد الاضطراب بعد دخول الفرنسيين مصر تحت قيادة نابليون بونابرت سنة 1798.

فقد كسدت الأحوال واختفت العديد من السلع من الأسواق، وارتفعت الأسعار، بسبب انقطاع الصادر والوارد، نتيجة تمركز الأسطول الإنجليزى فى الإسكندرية.

يقول «الجبرتى»: «غلت أسعار جميع الأصناف المجلوبة من البحر الرومى، وانقطع أثر كثير من أرباب الصنائع التى كسدت لعدم طلابها، واحتاجوا إلى التكسب بالحرف الدنيئة كبيع الفطير وقلى السمك وطبخ الأطعمة والمأكولات، وأما أرباب الحرف الدنيئة الكاسدة فأغلبهم عمل حماراً مكارياً، حتى صارت الأزقة، خصوصاً جهات العسكر، مزدحمة بالحمير التى تكرى للتردد فى شوارع القاهرة».

تأجير الحمير للانتقال من مكان إلى مكان داخل شوارع القاهرة أصبح مهنة من لا مهنة له، فكل من لا يجد عملاً يؤجر حماراً، أو يشتريه، ويعتمد عليه فى كسب رزقه.

وليس من شك فى أن انتعاش أى «شغلانة» يرتبط برواج الطلب عليها. وقد كان الطلب على الحمير كبيراً أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر.

فالأهالى كانوا يحتاجونها فى تنقلاتهم الداخلية، من مكان إلى مكان، ومن حى إلى حى، أما الفرنسيون فقد أغرموا بها أشد الغرام، فارتفعت قيمة وأسعار الحمير بسببهم.

كان الفرنسى من هؤلاء يؤجّر الحمار ويمتطى ظهره ويظل يلف به طول النهار «بدون حاجة سوى أن يجرى به مسرعاً فى الشارع»، وأمام هذه الرغبة المجنونة من جانب بعض عساكر الحملة بدأ أصحاب الحمير فى المغالاة فى الأجرة التى يحصلون عليها مقابل التأجير، وربحوا من ذلك كثيراً بسبب ضعف الفرنسيين أمام رغباتهم، وقد ضاعف من الطلب على الحمير هذا الولع من جانبهم بتنظيم سباقات العدو بالحمير، فكانت الجماعة منهم تؤجر عدة حمير، يمتطى كل واحد ظهر حمار ثم يبدأون العدو، والشاطر من يسبق ويفوز فى السباق.

كان الغرباء يبحثون عن متعة فلم يجدوا أمتع من الحمير يمتطون ظهورها أو يتسابقون بها، وهم، كما يصف «الجبرتى»: «يغنون ويضحكون ويصيحون ويتمسخرون ويشاركهم المكارية فى ذلك».

ومؤكد أن الضحكات كانت تتعالى أكثر وأكثر وهم يجدون الأهالى يفرون من أمامهم خوفاً من أن يصدمهم حمار أحد المسرعين، وكثيراً ما كان يحدث ذلك فيؤدى إلى إصابة، وأحياناً قتل، أحد المواطنين دهساً تحت حوافر الحمار.

تسبب هذا العبث فى إغضاب الأهالى، خصوصاً حينما مات لبعضهم أطفال بسبب عادة «سباق الحمير» التى عشقها الفرنسيون، ناهيك عن عمليات النصب التى كان يمارسها بعض الفرنسيين بعدم دفع أجرة الحمار، وقهر صاحبه على القبول بذلك.

كل هذه الأمور مثّلت سبباً من ضمن الأسباب التى أدت إلى اندلاع ثورة القاهرة الأولى (أكتوبر 1798).

تلك الثورة التى كمنت وراءها أسباب عديدة، كان من بينها «الحمير».